الصفحة 2 من 13

بسم الله الرحمن الرحيم

من فضل الله تعالى على عباده ورحمته بهم أن رخص لهم فعل أشياء محرمة عليهم، فأباح لهم تناولها أو التعامل بها رفعا للحرج، ودفعا للضيق، فما جعل المولى سبحانه وتعالى علينا في الدين من حرج، وإنما أراد لنا اليسر لا العسر.

غير أننا نظرنا إلى الرخص في هذا الزمان نظرة الإعجاب، فانصرفنا عن العزائم التي هي الدليل الحقيقي على قوة الإيمان، والبرهان اليقيني لنبضات القلب الذي ملأه اليقين بالله واستنار بنور الله.

وفي هذه العجالة أقدم بحثا متواضعا عن العزيمة والرخصة كما بينها الأصوليون، وما ضمنوها من أحكام لأضع بين يدي المؤمن حقيقة كثيرا ما رأينا الناس يناقشونها لا عن علم وإنما عن إلمام ببعض أحاديث يتخذونها ذريعة للوصول إلى رغبات نفسية، ومتطلبات شهوانية، لذا أضع هذا البحث بين أيديهم، حتى لا يكون لهم حجة بعد ذلك.

إن الله سبحانه وتعالى اختص الإنسان من بين مخلوقاته بالعقل، وميزه على المخلوقات بالتكاليف الشرعية، فأحكام الله تعالى - أوامره ونواهيه- هي النور الذي يلتزم المسلم بالسير بمقتضاه، ومأخذ هذا النور من الأدلة الشرعية - الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها- فإن كان الحكم الشرعي موافقا للدليل سمي (عزيمة) وإن كان مخالفا له لعذر سمي (رخصة) . فما حقيقة كل منهما؟

العزيمة: معناها في اللغة الرقية، وهي مأخوذة من مادة العزم، وهو القصر المؤكد على أمر من الأمور. ومنه قوله تعالى (( فنسي ولم نجد له عزما ) ) [1] . أي قصدا مؤكدا، ويقال: عزم الأمر وعزم على الأمر إذا عقد قلبه وحزم أمره على فعله، وأمضاه بدون تردد فيه، وسمى بعض الرسل أولي العزم [2] لتأكد قصدهم في إظهار الحق وزيادة ثباتهم عليه عند توجه الشدائد والمكاره إليهم وقوة صبرهم عليه فيها.

وسميت الأحكام الأصلية عزيمة لأنها من حيث مشروعيتها، كانت حقا لصاحب الشرع مكفولا له-يعني من حيث إنها كانت أصولا ولأجل أنها حق لله كانت في نهاية التوكيد- لأن صاحب الشرع نافذ الأمر واجب الطاعة فكان أمره مفترض الامتثال وشرعه واجب القبول فكان مؤكدا [3] .

وقد عرفها الأصوليون بأنها الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي [4] أو على خلاف الدليل لا لعذر، على وجه التيسير [5] .

وهي تشمل الأحكام الخمسة على التحقيق لأنها تنتظم الأحكام التكليفية وهذا ما سار عليه ابن السبكي.

(1) سورة طه: آية (115) .

(2) قيل إن أولي العزم من الرسل ستة: نوح، فإنه صبر على أذى قومه مدة طويل، وإبراهيم صبر على النار وذبح الولد، وإسحاق فإنه صبر على الذبح، ويعقوب فإنه صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف فإنه صبر على الجب والسجن، وأيوب فإنه صبر على الض\ن وقيل: هم أصحاب الشرائع، وقيل الرسل كلهم أولو العظزم، ولم يبعث الله رسولا إلا إذا كان ذا عزم وحزم ورأي (كشف الأسرار:2/ 300) .

(3) انظر: المستصفى للغزالي1/ 98، وأصول البزدوي مع كشف الأسرار2/ 299 - 300،والإحكام للآمدي1/ 68،ونهاية السول للإسنوي1/ 72، وشرح المحلى على جمع الجوامع مع حاشية البناني1/ 124، وروضة الناظر لابن قدامة ص32،وسلم الوصول لعمر عبد الله ص75.

(4) انظر: كشف الأسرار للبخاري2/ 298، وروضة الناظر ص32، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص50.

(5) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 1/ 52، والمراد أنها مشروعة على خلاف الدليل لغير عذر شرعي يستدعي التيسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت