فمن حيث إنه سقط في محل الرخصة كانت الرخصة مجازا، لأن العزيمة لم تكن في مقابلتها.
ومن حيث إن ذلك الساقط مشروعا علينا - أي بقي السبب والحكم مشروعا في الجملة كان شبيها بحقيقة الرخصة، لكن جهة المجاز غالبة، لأن جهة المجاز بالنظر إلى محل الرخصة، وشبه الحقيقة بالنظر إلى غير محلها، لكن جهة المجاز أقوى.
بخلاف النوع الثالث: لأن الحكم سقط فيه، ولم يبق مشروعا في حقنا بوجه من الوجوه، فكان في غاية البعد عن حقيقة الرخصة [1] .
مثال ذلك؛ سقوط إتمام الصلاة الرباعية في السفر، فسقوط الركعتين منها رخصة إسقاط - عند الحنفية - لا يجوز العمل بعزيمتها، فليس له أن يصليها أربعا لقوله عليه السلام (( المتمم للصلاة في السفر كالمقصر في الحضر ) )فزوال الشمس سبب لسقوط إتمام الظهر في السفر، لأن الإتمام لم يشرع للمسافر فليس في مقابلته عزيمة غير أن الإتمام مشروع في غير موضع الرخصة - وهو حالة الإقامة.
والقصر سمي رخصة مجازا لأنه رخصة إسقاط، فليس برخصة حقيقية، بل هو إسقاط للعزيمة لكونه مشروعا ابتداء بإثبات الشارع، وإيجاب السبب الموجب لها في حديث عائشة الوارد في الصحيحين؛"فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر) [2] . ولقوله صلى الله عليه وسلم (( هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) )فهذه إشارة إلى الصلاة المقصورة، والتصديق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض فيهتم بغير قبول."
ويرى الشافعية أن القصر رخصة حقيقية، والعزيمة هي الأربع لقوله تعالى (( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) ) [3] ، وهذا يفيد الإجابة فلا قصر عندهم، إلا أن يختار العبد القصر، كما لا فطر إلا أن يختار الفطر [4] .
وجواب الحنفية عنه، أن نفي الجناح عنهم لتطييب أنفسهم، لأنهم كانوا في مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر [5] .
وكذا الترخيص في بيع السلم [6] فإن الأصل أن يكون المبيع عينا - لتحقق بقدرة على التسليم، وهذا حكم مشروع لكنه سقط في السلم اشتراط ملك المبيع للعجز عن تعيينه، مع الإجماع على اشتراطه فيما عداه لقوله - صلى الله عليه وسلم - (( ولا تبع ما ليس عندك ) ) [7] تيسيرا وتخفيفا على المحتاجين ليتوصلو إلى مقاصدهم من الأثمان قبل إدراك غلاتهم، مع توصل صاحب الدراهم إلى
(1) انظر: كشف الأسرار2/ 322، والتوضيح لمتن التنقيح2/ 129، ومرآة الأصول2/ 397، وشرحي المنار لابن ملك وابن العيني ص202، وتسهيل الوصول ص253.
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) سورة النساء:101.
(4) انظر: كشف الأسرار 2/ 324، ورفع الحاجب ص156 خ، والتوضيح 2/ 129، وتسهيل الوصول ص352.
(5) انظر: شرح المنار لابن ملك ص202.
(6) السلم: بيع آجل بعاجل.
(7) حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم.