مقصوده من الربح، فكان السلم حكما غير أصلي فتحقق فيه الرخصة مجازا لا حقيقة، لأن السبب المحرم قد انعدم في حقه شرعا. فلو لم يبع سلما وتلف جوعا أثم [1] .
ومنه أيضًا أكل الميتة في حال الضرورة\ن فإن حرمتها تسقط حال الضرورة استثناء - مخافة الهلاك- مع كونها ثابتة في الجملة.
وشرب الخمر لإزالة الغصة فالحرمة سقطت حال الضرورة، لقوله تعالى (( إلا ما اضطررتم إليه ) ) [2]
، فهو استثناء حالة الضرورة، فهي محرمة في حالة الاختيار، مباحة في حالة الضرورة من الحرمة - لأن الحرمة - لصيانة العقل، ولا صيانة عند فوات النفس.
وكذا أكل الميتة وشرب الخمر مكرها بالقتل، تسقط حرمتها مع عذر الاضطرار. وتثبت عند عدمه [3] .
والمختار عند الجمهور. أن أكل الميتة وشرب الخمر - عند الضرورة - مباح لأنه إذا خاف بالامتناع فوات نفسه، لم يستقم صيانة البعض بفوات الكل، لأن فوات الكل فوات البعض ضرورة، فحرمة صيانة النفس ساقطة، لكونها حرام رخص فيه، ولو صبر حتى مات يكون آثما لعدم تأدية حق الله، بل صار مضيعا دمه من غير تحصيل ما هو المقصود بالحرمة.
ففي أكل الميتة؛ أن النص المحرم- (( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) )لم يتناولها حال الاضطرار لكونها مستثناة فبقيت مباحة بحكم الأصل، إذ الأصل في الأشياء الإباحة، والاستثناء من الإثبات نفي، فيكون النص دالا على عدم صومها عند حال الاضطرار، ويكون معنى الآية أن الله سبحانه وتعالى فصل لكم الأشياء التي حرم عليكم تناولها إلا ما اضطررتم إليه. فإنه لم يحرم عليكم.
وفي رواية عن أبي يوسف والشافعي [4] في أحد قوليه، أنها لا تحل صيانة لبدنه عن تعدي خبث الميتة، ولكن يرخص الفعل في حالة الاضطرار إبقاء للمهجة، فلو صبر حتى مات لا يكون آثما [5] .
وفي شرب الخمر: أن حرمتها لصيانة العقل - وهو القوة المميزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة، ولا يبقى ذلك عند فوات النفس- أي البنية الإنسانية - لفوات القوى القائمة بها عند فواتها، وانحلال تركيبها - وصيانة الدين عن الخلل الواقع فيه بسبب الخمر، لما فيه من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة [6] .
وتمسكوا بأنه قد دل إطلاق المغفرة في قوله تعالى (( فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) )على قيام الحرمة إلا أنه تعالى رفع المؤاخذة عليهم [7] .
(1) انظر التقرير والتحبير2/ 152، ومرآة الأصول.
(2) سورة المائدة:119.
(3) انظر: التقرير والتحبير 2/ 151، وشرح المنار لابن ملك ص202.
(4) انظر شرح المنار لابن العيني ص202.
(5) وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا حلف لا يأكل حراما، فشرب خمرا حالة الاضطرار فعندهما يحنث، وعند الجمهور لا يحنث.
(6) انظر: كشف الأسرار 2/ 322، 323، والمستصفى1/ 99، والإحكام للآمدي1/ 190، وروضة الناظر ص33، والتلويح والتوضيح 2/ 129، 130، وبديع النظام ص 34، 35 خ، ورفع الحاجب ص156.
(7) وقد أجاب عنه ابن ملك بأن إطلاق اسم المغفرة مع الإباحة باعتبار أن الاضطرار المرخص للتناول يكون بالاجتهاد، وعسى يقع التناول زائدا على قدر الحاجة، لأن من ابتلي بحالة المخمصة يعسر عليه رعاية قدر الحاجة (شرح ابن ملك ص203) .