الصفحة 12 من 13

وحكم هذا النوع: أن الإنسان مخير بين مراعاة العزيمة - فلا يقدم على فعل الرخصة- ويكون قد تمسك بالفعل المشروع أولا، وبين أن يقدم على فعل الرخصة- ويكون قد أخذ بها، وهذا التمييز إذا لم يخف الهلاك في ترك الرخصة وإلا كان العمل بالرخصة واجبا لدفع الهلاك [1] .

ولو تمسك بالعزيمة فمات أثم؛ لإلقائه بنفسه إلى التهلكة من غير ملجئ، هذا إذا علم بإباحة أكل الميتة، وشرب الخمر، وبيع السلم حال الضرورة، فإن خفي عليه فيعذر بالجهل، ويرتفع عنه إثم الحرمة، فلا يأثم بالإقناع [2] .

ويقسم الحنفية الرخصة إلى رخصة ترفيه ورخصة إسقاط.

1 -فرخصة الترفيه يكون حكم العزيمة معها باقيا، ودليله قائما، ولكن رخص في تركه تخفيفا وترفيها عن المكلف: كإفطار المريض ولمسافر في شهر رمضان، فإن لهما أن يصوما رمضان عملا بالعزيمة، ولهما أن يفطرا في رمضان عملا بالرخصة، ويقضيا الصوم في أيام أخر بعد السفر والشفاء. وكإجراء كلمة الكفر على اللسان عند الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان.

2 -رخصة إسقاط: لا يكون حكم العزيمة معها باقيا، بل إن الحال التي استوجبت الترخيص أسقطت حكم العزيمة، وجعلت الحكم المشروع فيها هو الرخصة، ومثلوا لهذا بإباحة أكل الميتة وشرب الخمر عند الضرورة والاضطرار لدفع الجوع أو لدفع الظمأ، حتى لو امتنع الإنسان عن تناول ما ذكر فهلك كان آثما ومعاقبا على الامتناع، لأن حفظ المهجة أهم في الشرع من ترك الميتة والخمر في حالة نادرة.

وذلك لقوله تعالى (( ولا تقتلوا أنفسكم ) ) [3] ، وقوله (( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ) [4] وقد ورد في الحديث: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) ) ، كما أن حرمة تناولهما سقطت عن المكلف في حال الاضطرار عند المخمصة.

وقد مر أن جمهور العلماء يبيحون أكل الميتة وشرب الخمر في حالة الضرورة - ويعصى المرء بترك الأكل من الميتة والشرب من الخمر - إذ لم يكلف بإهلاك نفسه، لأن الشرع قد أفسح له بإسقاط العقاب عن فعله حال الضرورة [5] .

ويكون معنى هذا أن الرخص كلها شرعت للترفيه والتخفيف عن المكلف بإباحة فعل المحرم، وإن حكم الحظر ودليله قائمان، ويكون إباحة المحظور ترخيصًا، بمعنى أنه لا إثم في فعله [6] .

وبهذا أكون قد وضعت موجزا عن أحكام العزائم والرخص كما رآها العلماء، ونصوا عليها في ثنايا كتبهم.

(1) انظر: التقرير والتحبير2/ 151.

(2) انظر: مرآة الأصول 2/ 398، والتقرير والتحبير2/ 151.

(3) سورة النساء:29.

(4) سورة البقرة:195.

(5) انظر: المستصفى1/ 99، والإحكام للآمدي1/ 190، وروضة الناظر ص33، وسلم الوصول ص83.

(6) انظر علم أصول الفقه لخلاف ص140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت