ومع تسليمنا بالمناقشة الأولى، فإن المناقشة الثانية غير مسلمة، إذ أنه على فرض اعتبار الغلو في الاستعمال صورة من صور التعسف فإن هذا لن يؤدي إلى عدم وضوح معالم نظرية التعسف في استعمال الحق، إذ أنه في هذه الحالة يصبح استعمال الحق بصورة غير مألوفة ضابطا من الضوابط التي يعرف بها التعسف في استعمال الحق، ولا يمنع هذا أن نتوسع فيها زيادة على ذلك ما دام التوسع منظما بضوابط يعرف بها التعسف في استعمال الحق.
ونرى أن مما يقوي الرأي القائل بأن الغلو في استعمال الحق ليس صورة من صورة التعسف أنه حتى لو لم نأخذ في اعتبارنا أن القانون المدني في مصر قد حدد المعايير والضوابط التي نصت عليها المادة الخامسة من القانون المدني، وأن الاستعمال غير المألوف المؤدي إلى ضرر الجيران غير داخل تحت ضابط من هذه الضوابط الثلاثة.
نقول: إنه حتى لو لم نأخذ هذا في الاعتبار فإن اللغة نفسها لو رجعنا إليها لنرى هل المدلول اللغوي لكلمة التعسف يمكن أن يكون شاملا للغلو في الاستعمال، فسنجد أن اللغة لا تؤيد هذا الاتجاه.
إن كتب اللغة تبين أن التعسف في الأصل - كما يقول ابن منظور:أن يأخذ المسافر على غير طريق ولا جادة ولا عَلَم [1] بفتح العين واللام والميم أي علامة، ثم نقل هذا اللفظ إلى الظلم والجور، يقال: تعسف فلان فلانا إذا ركبه بالظلم ولم ينصفه، ورجل عسوف إذا كان ظلوما [2] ومعنى ذلك أن التعسف أصبح معناه الظلم أو الجور، وحتى يتحقق الظلم أو الجور لابد أن يكون هناك سوء نية سابق وعزم على إلحاق الظلم بالغير، وهذا المعنى ظاهر إذا تحقق بصورة من الصور التي نصت عليها المادة الخامسة من القانون المدني.
وأما الاستعمال لحق بطريقة غير مألوفة وهو ما يعبر عنه بالغلو في استعمال الحق، فإن صاحب الحق هنا لم يقصد إلحاق الظلم بغيره، وغاية الأمر أنه لم يراع الحدود المألوفة التي يجب أن لا يتعداها في استعمال الحق، فتسمية الغلو في استعمال الحق إذن تعسفا في الاستعمال لا يؤيدها الاستعمال اللغوي لكلمة التعسف، ويجب إفراد الغلو في استعمال الحق عن التعسف في استعماله.
بقي أن نقول هنا أن أستاذنا الدكتور أحمد فهمي أبو سنة يذهب إلى أن التعسف في استعمال الحق يعرف بقواعد خمسة - كما أشرنا إلى ذلك سابق - منها الثلاثة التي نصت عليها المادة الخامسة من القانون المدني، والغلو في استعمال الحق، ثم استعمال الإنسان - بدون احتراس - لحقه الذي يكون عرضة - بطبيعته- لترتب الضرر عليه عند عدم الاحتراس [3] .
(1) لسان العرب لابن منظور: ماة (عسف) .
(2) المصدر السابق.
(3) النظرية العامة للمعاملات ص134.