الصفحة 26 من 28

وما قلناه بالنسبة إلى الغلو في الاستعمال وأنه غير لتعسف يمكن أن يقال أيضا بالنسبة إلى استعمال الحق بدون احتراس. وسنمثل له حتى يتضح وجه مخالفته التعسف في استعمال الحق.

مثاله: ما إذا دخل بقرة مسيبة ملك شخص، فله حق إخراجه، إلا أنه عندما أراد إخراجها لم يحتط في إخراجها حتى تحرج سليمة من عنده إلى صاحبه، فأخرجها من موضع يعسر عليها أن تخرج منه فتلفت، فإن الحكم في هذه الصورة كما بينه فقهاء الشافعية أن عليه ضمانها [1] .

ومثاله أيضًا كما مثل له أستاذنا الدكتور أحمد أبو سنة [2] ما إذا أراد شخص \ان يصيد طيرا أو حيوانا غير مملوك لأحد فطاش ما رماه على الطير أو الحيوان فأصاب إنسانا أو حيوانا مملوكا لغيره بضرر، أو أراد أن يضرب دابته فضرب دابة غيره ظانا أنها دابته فأدى ضربه لها إلى إعطابها، أو أراد أن يقطف ثمرة فقطف ثمرة غيره وهو يظن أنه ثمره.

ونرى أنه ما دام معنى متعسف في اللغة كما سبق هو الجور أو الظلم فكيف يمكن أن تسمى هذه الصور وأمثالها تعسفا مع أن الفعل حينما وقع من فاعله لم يكن قصد الظلم أو الجور متحققا فيه، فلا تعدو هذه الصور وأمثالها أن تكون صورا من صور الخطأ.

بل إن أستاذنا الدكتور أحمد أبو سنة عندما أراد التمثيل لاستعمال الحق بدون احتراس قد ذكر الصور الثلاث الأخيرة التي نقلناها عنه هنا، وصرح بأنها من صور الخطأ، فبين - وهو صحيح - أن الصورة الأولى، وهي خطأ الصائد، خطأ في الفعل، وكذلك بين أن الصورتين الثانية، وهي ضرب دابة غيره ظانا أنه دابته، والثالثة وهي قطف ثمر غيره وهو يظن أنه ثمره، بين أن هاتين الصورتين من صور الخطأ في القصد [3] .

ونسأل الآن: كيف يمكن أن تكون هذه صورا للخطأ في الفعل أو الخطأ في القصد، ومع ذلك نعتبرها صورا من صور التعسف في استعمال الحق.

وبهذا ينتهي كلامنا عن التعسف في استعمال الحق والغلو في استعماله في الشريعة الإسلامية والقانون المدني، وأرجو أن تكون رعاية الله تعالى قد حاطتني فيما تناولت من أمور، وأن أكون قد وضحت أن فقهاء المسلمين قد بينوا الأحكام التي تتفق مع الضوابط التى اهتدى إليها أخيرا أساتذة القانون الدولي.

والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

د/ محمد رأفت عثمان

(1) مغني المحتاج لمحمد الشربيني الخطيب ج4 ص208.

(2) النظرية العامة للمعاملات ص134.

(3) نص ما قاله أستاذنا الدكتور أحمد فهمي أبو سنة هو: القاعدة الخامسة: أن يستعمل الإنسان حقه الذي يكون بطبيعته عرضة لترتب الضرر عليه عند عدم الاحتراس، لكنه يستعمله دون احتراس وتثبت فيما يمكن فيه الاحتراس فيفضي هذا إلى الإضرار بالغير.

وذلك كما إذا أراد أن يصيد طيرا فطاش سهمه وأصاب إنسانا أو حيوانا بضرر فإن الصيد حق مباح ولكنه لم يحترس في استعماله ولم يتثبت فأدى إلى ضرر الغير، وهو المعروف بالخطأ في الفعل، وكما إذا ضرب دابة غيره يظن أنها دابته فأعطبها أو قطف ثمر غيره يظن أنه ثمره وهو المعروف بالخطأ في القصد، وهذا تعسف في استعمال الحق. انظر: النظريات العامة للمعاملات ص124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت