الصفحة 22 من 28

لذلك، وإلا -كما يقول ابن عابدين في سياق بيان منع الضرر الفاحش، لا منع كل ضرر: لزم أنه لو كانت له شجرة مملوكة يستظل بها جاره، فأراد قطعها أن يمنع لتضرر الجار به [1] .

فالجيران إذن عليهم أن يتحملوا المضايقات أو الأضرار العادية التي لا يمكن أو يعسر أن يخلو عنها الاستعمال العادي المألوف كصوت المذياع العادي، ودخان الفرن الذي يخبز فيه أهل الدار في القرية في فترات غير متوالية، وعجين الطين أو الأسمنت بجوار ملك المالك إذا بقي في الشارع مقدار المرور للناس، وإلقاء الحجارة في الشارع للعمارة إذا تركت بقدر مدة نقلها وربط الدواب في الشارع بقدر حاجة النزول والركوب، ورش الشارع رشا خفيفا لا يؤدي إلى الإضرار بمن يمر في الطريق وهكذا [2] .

وفي الناحية المقابلة فإنه على المالك أن يتخذ من الاحتياطات ما يكون كفيلا بأن لا يجعل تصرفه في ملكه سببا لإحداث مضايقات أو تنغيص مجاوز للحدود التي يمكن أن يتحملها الناس في جوار كريم [3] .

هذا هو الأصل الذي يجب مراعاته إلا أنه قد يحدث أن يستعمل الإنسان حقه في ملكه استعمال غير متعارف بين لناس، فيؤدي إلى الإضرار بالغير ضررا ظاهرًا، فيكون محل مساءلة ويضمن ما تلف بسبب فعله هذا، وفي هذا المجال يقول صاحب تنوير الأبصار وشارحه من الحنفية: ولا يمنع الشخص من تصرفه في ملكه إلا إذا كان الضرر بجاره ضررا بينا - أي ظاهرا - فيمنع من ذلك [4] .

فإذا أوقد شخص في ملكه نارا تسري في العادة إلى دار جاره، لكثرة هذه النار، أو لكونه أججها في وقت هبوب ريح شديدة حملت هذه النار إلى دار جاره، كان مغاليًا في استعمال حقه، ويضمن ما ترتب على تصرفه من مضار.

وكذلك الشخص الذي فتح ماء كثيرًا يتعدى إلى الجيران يعد مغاليا في استعماله لحقه إذا أوقد نارا فأدى هذا الإيقاد إلى أن يبست أغصان شجرة يملكها غيره إذا لم تكن هذه الأغصان في هواء ملكه، لأن كون أغصان شجرة غيره قد يبست من النار التي أوقدها دليل على أن هذه النار كانت كثيرة [5] . ومن الغلو في استعمال الحق أيضًا أن يدق الشخص في ملكه دقًا يؤدي إلى هز حيطان الجار وهدمها [6] . هذا وليس بلازم أن يؤدي الغلو في الاستعمال إلى إتلاف شيء يملكه الغير حتى يكون مسئولا عن غلوه في استعمال حقه، بل يجب منع المالك من هذه الصورة من الاستعمال ما دام قد أدى إلى الإضرار بالغير حتى لو لم يؤد إلى شيء من الإتلاف فيجب منع المالك مثلا من إلقاء

(1) حاشية ابن عابدين ج4 ص376.

(2) حاشية ابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج ج2 ص241.

(3) التعسف في استعمال الحقوق وإلغاء العقود لحسين عامر ص106.

(4) الدر المختار لمحمد علاء الدين الحصكفي شرخ تنوير الأبصار مطبوع بهامش حشية ابن عابدين ج4 ص375.

(5) المغني لابن قدامة ج5 ص453.

(6) الشرح الكبير لعبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة ج5 ص51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت