يعتمد الشافعية على أمرين:
الأمر الأول: أن لجار يمكنه أن يدفع الضرر عنه ببناء ساتر أمام الكوة، فهذا من حقه حتى لو تضرر صاحب الكوة من منع الضوء من أن يدخل من الكوة أو من منعه من النظر منها [1] .
الأمر الثاني: أن صاحب الكوة لو أراد رفع جميع الحائط الذي هي فيه جاز له ذلك ولم يمنع منعه، ففتح الكوة التي يتحقق بها رفع لبعض أجزاء الحائط بحيث يرتفع عن قامة الإنسان العادية - كما بين المالكية- ينبغي أن يسمح به ما دام مقصودا به دخول الهواء أو الضوء، وليس مقصودا به الاطلاع على حرمات جاره، غير أننا نخالف المالكية في اشتراطهم أن لا يكون الفتح جديدا، فالضرر يجب أن يزال ولو كان قديما، وسنناقش الشافعية فيما قالوه ثم نعرج على ما اعتمد عليه ابن حزم ثم نناقشه فيه، وإليك مناقشة الشافعية.
مناقشة الشافعية:
قول الشافعية بجواز ذلك مطلقًا أي سواء كانت الكوة في أعلى الحائط أو في غير أعلاه غير مسلم، لأن ذلك يؤدي إلى الإضرار بالجار، والإضرار ممنوع كما سبق في الحديث الشريف، وكون الجار يستطيع أن يدفع الضرر عنه ببناء ساتر أمام الكوة لا يعتبر مبررا لجواز الإقدام على هذا الفتح، وإلا كان من الجائز - بهذا المنطق- أن يحاول شخص الاعتداء على شخص آخر ما دام في إمكان هذا الآخر أن يصد اعتداءه.
والقول أيضا بأن صاحب الكوة له أن يرفع الحائط كله فمن باب أولى له أن يفتحه فتحة فيه غير مسلم أيضا وذلك لأن الحائط إذا \اراد صاحبه رفعه فلا يخلو من أحد أمرين.
إما أن يقصد الإضرار بالجار أو لا يقصد الإضرار به بل يرى مصلحة في رفعه كأن خاف سقوطه، فإذا قصد الإضرار بالجار فليس له ذلك، بل يطالب بإعادة بناء الجدار كما سبق أن بيناه عند كلامنا على الضابط الأول من ضوابط التعسف في استعمال الحق.
وأما إذا لم يقصد الإضرار بالجار فهناك فارق بين رفع الحائط كله وفتح كوة فيه إذ جرت عادة الناس على أن المالك إذا رأى بيته قد انكشف بوقوع حائط كان يستره يبادر - غالبا - إلى ستر بيته بحائط جديد، حتى لو تحمل هو وحده تكاليف بناء هذا الحائط الجديد، لئلا يعرض بيته - على الأقل - للسرقة ولئلا يعرض نفسه لكشف أسراره، بخلاف فتح الكوات التي تحدث لا يبادر الجار في العادة - غالبا- ببناء يستر هذه الكوة لأن ذلك قد يكلفه تكاليف يراها باهظة بالنسبة إلى هذه
(1) حاشية البيجرمي على شرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري ج3 ص12.