الصفحة 14 من 28

وأما إذا كان بالثاني وهو عدم الإضرار بأحد فإن المالك حينئذ مستحق للإخراج، وكل ما يستحقه الإنسان في الطريق لا يجوز أن يطالب بمقابل له كالمرور فإنه حق لكل إنسان في الطريق، ولا يجوز أن يطالب بمقابل لمروره فيه [1] .

وبهذا ينتهي كلامنا عن مسألة إخراج الروشن والساباط، ولنواصل الآن ذكر صور أخرى تندرج تحت هذا الضابط الذي نتكلم عنه من ضوابط التعسف في استعمال الحق، وهو أن تكون المصالح غير متناسبة مع ضرر الغير.

من صور هذا الضابط أيضًا ما ذكره المالكية [2] وبعض الحنفية [3] من أن المالك إذا أراد أن يفتح كوة، أي طاقة تشرف على جاره أو شباكا يشرف عليه من باب أولى فإنه يمنع من ذلك إذا كانت الفتحة بحيث تمكن صاحبها من الاطلاع على جاره وأهله، لأن المصلحة التي يرمي المالك إلى تحقيقها وهي دخول الضوء أو الشمس أو الهواء إلى ملكه لا تتناسب مع الضرر الحاصل للجار، وهو الاطلاع على حرماته، فيجب سد هذه الكوة وهذا الشباك.

إلى هذا يذهب بعض الحنفية، ويذهب إليه المالكية أيضًا كما قلنا، إلا أن المالكية قيدوا ذلك بأمرين:

الأول: أن يكون الفتح جديدا، فإن كان الفتح قديما فإنه لا يقضى بسده، ويقال للجار: استر على نفسك إن شئت.

الثاني: أن لا تكون الفتحة عالية بحيث لا يمكن التطلع منها على الجار إلا بالصعود على السلم مثلا، فإذا كانت عالية بهذا المقدار فإنه لا يقضى كذلك بسدها.

وإذ حكم بسد هذه الفتحة التي توفر فيها القيدان فإنه لا يكتفى بسد ظهرها مع بقاء شكلها على ما هو عليه. لأنه يمكن أن يكون في المستقبل ذريعة لأن يدعي صاحبها أنها قديمة ويطالب بفتحها. فلا بد إذن من سد الفتحة من أصلها، وإزالة كل ما يدل عليها من عتبة أو خشبة ونحوهما [4] .

هذا ما يراه المالكية، وأما الشافعية [5] وبعض الحنفية [6] وداود الظاهري وابن حزم الظاهري [7] فإنهم يرون جواز أن يفتح المالك ما شاء من الكوات، سواء أكانت في أعلى الجدار أم في غير أعلاه، حتى لو أشرفت على دار جاره وحريمه. وعلى جاره إذا أراد أن يستر نفسه أن يبني في ملكه ما يؤدي إلى هذا الستر. إلا أن صاحب الكوة ممنوع من الاطلاع على جاره [8] .

ما اعتمد عليه الشافعية:

(1) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج لمحمد الشربيني الخطيب ج2 ص183، وشرح منهج الطلاب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري مطبوع مع حاشية البيجرمي ج3 ص12.

(2) الشرح الصغير لأحمد الدردير ج4 ص37، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج3 ص331.

(3) حاشية ابن عابدين ج4 ص376

(4) الشرح الصغير لأحمد الدردير ج4 ص37.

(5) تحفة المحتاج بشرح المنهاج لأحمد بن حجر الهيتمي ج2 ص247، والوجيز للغزالي الجزء الأول ص107 طبع مطبعة حوش قدم.

(6) الدر المختار للحصكفي مع حاشية ابن عابدين ج4 ص376.

(7) المحلى لابن حزم ج9 ص105.

(8) .المحلى المصدر السابق ج9 ص105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت