الصفحة 12 من 28

المناقشة:

ناقش الحنابلة ما استدل به مالك والشافعي والأوزاعي ومن معهم من أن هذا ارتفاق بما لم يتعين ملك أحد فيه من غير ضرر فكان جائزا كالسير في الطريق والجلوس فيها فقالوا: إن هناك فارقا بين إخراج الروشن أو الساباط والمرور في الطريق والجلوس فيها، فإن الطريق قد جعلت للسير فيها ولم يحدث ضر من هذا السير، والجلوس في الطريق لا يستمر دائما ولا يمكن التحرز عنه، بخلاف الروشن والساباط فإنهما دائمان ويمكن التحرز منهما.

وقال الحنابلة أيضا: لا نسلم أنه لا يحصل ضرر من الروشن والساباط، فإنهما يتسببان في حصول الظلمة في الطريق ويمنعان الضوء عنه، وربما سقط أي منهما على المارة في الطريق أو سقط جزء منهما فأدى كل ذلك إلى قتل المارة أو إلى إصابتهم. وقد تعلو أرض الشارع بمرور الأيام وتراكم طبقات التراب والطين بعضها فوق بعض، فيؤدي ذلك إلى اصطدام رءوس المارين بهما، وإلى منع مرور الدواب بأحمالها، ويقطع الطريق إلا على المشاة، وكل هذه الأمور ضرر بلا ريب، وكل ما أفضى إلى حدوث الضرر في المآل يجب منعه في الابتداء، كما لو أراد المالك أن يبني حائطا مائلا إلى الطريق يخشى وقوعه على من يمر فيها فإنه يمنع من ذلك [1] .

ما يجاب به على هذه المناقشة:

يمكن أن نجيب على ما قاله الحنابلة بأنه على فرض التسليم بوجود الفارق بين الروشن

أو الساباط و الطريق، فإنه لا يزال الاستدلال قائما بأن هذا ارتفاق بما لم يتعين فيه ملك أحد ولم يحدث بهذا الارتفاق ضرر لأحد ولا نسلم أن كل روشن أو ساباط مؤد إلى إظلام الطريق، بل المتصور انه يمكن أن يحدث إظلام من بعضها ولا يحصل إظلام من بعضها ولا يحصل إظلام من البعض الآخر فما أدى منها إلى إظلام الطريق فنحن معكم في القول بمنعه، وما لم يؤد إلى الإظلام فلا ضرر منه فيجوز إبقاؤه.

وكذلك لا نسلم القول بأنه ربما يسقط كله او يسقط جزؤه على المارة، وكون هذا مبررا لمنعه، إذ يمكن لنا ان نقول كذلك: ربما يسقط الحائط المتصل بالشارع على المارة وإن كان سليما، فيجب منع بناء الحيطان بجوار الشوارع والأماكن التي يمر فيها الناس، وهذا قول لم يقله أحد، والذي يمكن قوله في هذا المجال: إن الحائط الذي يخشى سقوطه هو الذي يجب هدمه، والذي لا يخشى سقوطه لا يطالب

(1) المغني ج5ص33،34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت