ثم إن هذا الرجوع قبل القبول ليس فيه إبطال لحق الغير، لأن الثابت له بعد الإيجاب حق التملك، والموجب هو الذي أثبت له هذه الولاية، فله أن يرفعها كعزل الوكيل، ولأن حق التملك لا يعارض حقيقة الملك، فلو لم يجز الرجوع للزم تعطيل حق الملك بحق التملك وهو غير جائز، لأن حق الملك أقوى من حق التملك، بدليل أن للأب حق في أن يتملك بعض مال ولده عند الحاجة، وهذا الحق لا يمنع الولد من حق التصرف في ماله إذا لم يملكه الأب فعلًا (81) .
الحالة الثانية: بعد موت الموصي، فإن الفسخ يمتنع، لأن المبيع انتقل إلى ملك الموصى له، وهو ملك مبتدأ، فأصبح كما لو باعه إياه، وذلك بشرط أن لا يرد الموصى له الوصية، لأنه بقبوله يتم الركن، هذا عند جمهور الحنفية أما عند الإمام زفر فالإيجاب وحده هو ركن الوصية، ويصبح الموصى له كالوراث يملك الموصى به بموت الموصى، أما إذا رد الموصى له الوصية فأن حق الفسخ يبقى قائمًا لزول المانع. ولا يعتبر موت أحد العاقدين مانعًا من الفسخ (82) ، بل يثبت للورثة حق الفسخ"لأن الوارث قائم مقام المورث" (83) ، فيثبت له ما كان ثابتًا لمورثه، لأنه خلف عنه، وملك الوارث مضمون الرد مستحق الفسخ فيثبت ذلك كله للمورث (84) . وهذا الحق ليس ثابتًا للوارث بطريق الوراثة، لأن حق الفسخ مشيئة وإرادة، وهي لا تورث، وإنما هو ثابت بطريق الخلفية، أي أنه ثابت له ابتداء، لأن الملك الفاسد قد انتقل اليه، وهو يحتاج للفسخ للخلاص منه كما كان ثابتًا لمورثه (85) .
جاء في الفتاوى الخانية:
"وللبائع أن يسترد المبيع ما لم يوجد ما يبطل حق الفسخ، ولا يبطل حق الفسخ بالإجارة، ولا بموت المشتري، لأن الملك الفاسد ينتقل إلى وارث المشتري ويقوم الوارث مقام المشتري، أما مجرد الحق فلا يورث (86) ". والغاية من تصحيح تصرف المشتري بما اشتراه بعقد فاسد، والقول بامتناع الفسخ هو حماية الغير الذي تصرف له المشتري من أن تستحق العين من تحت يده (87) .
يقول ابن نجيم:"العقد الفاسد إذا تعلق به حق الغير لزم وارتفع الفساد" (88) .
ويقول السنهوري:
"إن الشرع هو الذي تولى ترتيب هذا الأثر على العقد الفاسد لمصلحة قصد تحقيقها، وهذه المصلحة هي حماية الغير الذي تصرف له المشتري، فحتى يكفل الشرع حماية هذا الغير من أن يسترد المبيع من تحت يده باستعماله حق الفسخ-وليست هناك وسيلة للشهر تنبه الغير إلى فساد العقد مع كثرة أسباب الفساد وتنوعها- لجأ الفقه الحنفي إلى ضرب من الصناعة الفقهية يستوقف النظر" (89) .
وقد ابتكر الحنفية لذلك صناعة فقهية تفترض انتقال ملكية العين المبيعة بعقد فاسد بعد قبضها إلى المشتري، لا لينتفع بها كما هو الحال في الملكية العادية المستفادة بالعقد الصحيح، وإنما الغرض منها تصحيح التصرف الذي يصدر من المشتري للغير، إذ إنه من الأمر البديهي أن الإنسان لا يستطيع أن يملك غيره ما لا يملكه، فحتى تكون ملكية الغير ملكية مستقرة لا بد من القول بانتقال الملكية (90) .