ويدخل في هذه الحالة الرد بخيار العيب، إذا كان بغير قضاء، بأن كان برضا البائع (أي المشتري الأول بعقد فاسد) فهو مانع من الفسخ، لأن الرد هنا"وإن كان فسخًا في حق العاقدين فهو بيع في حق غيرهما" (65) .
لأن الرد بالتراضي فيه معنى البيع، لأن البيع هو مبادلة المال بالمال على وجه التراضي، إلا أنه أعطى حكم الفسخ في حق المتعاقدين، فيبقى بيعًا جديدًا في حق غيرهما كالبيع المبتدأ، (66) فشبهة البيع قائمة في هذا البيع، لذلك يمتنع معها الفسخ ويستقر العقد، وهذا بخلاف مالو كان الرد بقضاء القاضي فليس فيه شبهة البيع لانعدام التراضي، فهو فسخ في حق الجميع (67) . والدليل على أن الفسخ بالتراضي فيه معنى البيع، هو ثبوت الشفعة للطرف الثالث، والشفعة تثبت بالبيع لا بالفسخ. (68) وتعدّ الهبة والصدقة من الموانع التي من فسخ العقد الفاسد، فلو وهب المشتري ما اشتراه بعقد فاسد أو تصدق به فإن الفسخ يمتنع عندئذ، وذلك بشرط أن يتم القبض في الهبة والصدقة، لأنهما لا تفيدان الملك إلا بالقبض، أما قبل القبض فالمال لا يخرج عن ملك المشتري، وبالتالي لا يمتنع الفسخ (69) . ولو رجع الواهب في هبته (70) ، عندها يعود حق الفسخ لزوال المانع، ولا فرق في هذا الرجوع بين أن يكون بقضاء القاضي وبين غيره (71) . ولا تعتبر الإجارة مانعة من الفسخ، فالإجارة وإن كانت عقدًا لازمًا، إلا أنها ليست بمانعة من الفسخ وذلك لما يأتي:
لأن الإجارة تفسخ بالأعذار (72) ، ولا عذر أقوى من رفع الفساد (73) . ولأن الإجارة عقد على المنافع، وهي غير موجودة وقت العقد"فهي تنعقد شيئًا فشيئًا، فيكون زيادة على المنافع التي لم تحدث امتناعًا عن العقد عليها" (74) . فيكون الفسخ للآتي منها.
ولأن المشتري لو اطلع على عيب في المبيع بعد أن أجره كان له فسخ الإجارة برد المبيع إلى صاحبه، وهذا أولى لأنه لحق الشرع (75) .
وإذا فسخت الإجارة فإن الأجرة للمشتري، لأن المنافع عند الحنفية لا تتقوم إلا بالعقد، لأنها معدومة قبله، وقد حصلت في ملك المشتري وهو الذي أجرى العقد عليها، فإن كان قد أدى ضمان القيمة ثم أجر فقد طابت له الأجرة، لأن الضمان بدل المضمون قائم مقامه، فكانت الأجرة ربح ما قد ضمن، وإن أجر قبل أداء القيمة، فإن الأجرة لا تطيب له، لأنه ربح ما لم يضمن.
وما ينطبق على البيع الفاسد ينطبق على الإجارة الفاسدة، فلو أجر المستأجر فسادًا ما استأجره لغيره إجارة صحيحة، فالإجارة جائزة إذا كان المأجور مما تجوز إجارته كالعقار، وكان ذلك بعد قبضه (76) .
وهذا لا يمنع أيضًا من فسخ الإجارة الثانية لفساد الأولى، ويجب على المستأجر الأول أجرة المثل لفساد العقد، وعلى المستأجر الثاني الأجرة المسماة في العقد لصحته (77) . أما لو وصَّى (78) المشتري بما اشتراه فاسدًا لغيره صحت الوصية، وجواز الفسخ له حالتان (79) :
الحالة الأولى: قبل موت الموصي، وفي هذه الحالة لا تكون الوصية مانعة من الفسخ، لأن الوصية هي تصرف غير لازم حال الحياة، لأن الثابت قبل موته مجرد إيجاب، وهو يحتمل الرجوع في عقد المعاوضة كالبيع والإجارة وغيرهما قبل القبول، ففي التبرع أولى (80) .