والإسراف، وهذا الذي يجب على كل من تولى أي أمر من أمور المسلمين، أن يتابع عماله ووزرائه ومعاونيه، كتب مرة إلى عتبة بن فرقد، وكان قد ولاه على أذربيجان فقال له يا عتبة: إنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك. أي أن هذا الذي تأخذه من بيت مال المسلمين ليس من كد أبيك ولا من كد أمك، ثم قال له: فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياك والتنعم وزي أهل الشرك، ولباس الحرير.
وكان رضي الله عنه، عندما يوجه عماله ووزرائه بهذا كان هو التطبيق العملي لكلامه، فيطبق على نفسه قبل أن يطبق على غيره. يروى عنه أنه كان إذا نهى عن شيء، جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنهم لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، والله لا أجد أحدًا منكم فعل ما نهيت عنه، إلا أضعفت عليه العقوبة. وكان رضي الله عنه يقوم في الناس في مواسم الحج فيقول: إني لا أبعث عليكم عمالي ليضربوا جلودكم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم، ويحكموا فيكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فمن فُعل به سوى ذلك، فليرفعه إليّ.
وأخرج ابن سعد عن البراء بن معرور، أن عمر خرج يومًا حتى أتى المنبر، وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل، وفي بيت المال عُكة، فقال إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي عليّ حرام، فأذنوا له.
وكان رضي الله عنه يخاف من الله عز وجل أن يسأله حتى عن البهائم التي في حدود ولايته، فقد أخرج ابن سعد أيضًا عن سالم بن عبد الله، أن عمر كان يُدخل يده في دبر البعير، وذلك أن البعير يصاب بنوع من المرض، يحتاج إلى إخراج ما في دبره، وكان يقول: إني لخائف أن أُسأل عما بك.
وخرج ذات ليلة إلى الحرة، ومعه مولاه أسلم، فإذا نار، فقال يا أسلم: ما أظن هؤلاء إلا ركبًا قصر بهم الليل والبرد، فلما وصل مكانها إذا هي امرأة معها صبيان، يتضاغون من الجوع، قد نصبت لهم قدر ماء على النار، تسكتهم به ليناموا، فقال عمر: السلام عليكم يا أهل الضوء - وكره أن يقول: يا أهل النار - ما بالكم وما بال هؤلاء الصبية؟ قالت المرأة: يتضاغون من الجوع، قال فأي شيء في هذا القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به، أوهمهم أني أصنع طعامًا حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر، فقال: يرحمك الله وما يُدري عمر بكم، قالت: أيتولى أمرنا ويغفل عنا، فبكى عمر رضي الله عنه، ورجع مهرولًا، فأتى بعدل من دقيق وجراب من شحم، وقال لأسلم: احمله على ظهري، قال: أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين، فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة فحمله حتى أتى المرأة، فجعل يُصلح الطعام لها، وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل من لحيته، حتى نضج الطعام، فأنزل القدر وأفرغ منه في صحفة لها، فأكل الصبية حتى شبعوا، وجعلوا يضحكون ويتصارعون، فقالت المرأة: جزاك الله خيرًا أنت أولى بهذا الأمر من عمر، فقال لها عمر قولي خيرا.
أيها المسلمون: هكذا كانت ولاية عمر رضي الله عنه لرعيته بهذه العدالة، وبهذا الورع ومع هذا فقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس، أن العباس قال: سألت الله حولًا بعدما مات عمر أن يرينيه في المنام، فرأيته بعد حول وهو يسلت العرق عن جبينه، فقلت: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فُرغت - أي الآن قد انتهيت من الحساب.
وأخرج نحوه ابن سعد، عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال سمعت رجلًا من الأنصار يقول: دعوت الله أن يريني عمر في المنام، فرأيته بعد عشر سنين، وهو يمسح العرق عن جبينه، فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعلت؟ قال: الآن فرغت- ولولا رحمة ربي لهلكت.
أيها المسلمون: هكذا كانت سيرة الخلفاء في صدر هذه الأمة حين كانت الرعية قائمة بأمر الله، خائفة من عقابه، راجية لثوابه، فلما بدلت الرعية وغيرت وظلمت نفسها، تبدلت أحوال الرعاة، وكما تكونوا يولى عليكم.
أيها المسلمون: مع هذه السيرة العظيمة فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، قتل شهيدًا في آخر شهر ذي الحجة من السنة الثالثة عشرة من الهجرة، فقد خرج لصلاة الصبح، وكان إذا مر بين الصفين قال استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللًا، تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو