أما اللباس، فحدث ولا حرج، بل صار التحلي بلباس الكفار موضع افتخار واعتزاز من بعض المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إنك تجد أن كل من أراد السفر إلى بلاد الكفار، أول ما يبدأ به، هو خلع ملابسه الإسلامية، ويلبس ملابسهم، هذا إن كنا نقبله من بعض جهلة وعوام المسلمين بعض الشيء. لكن أن يكون هذا العمل، حتى ممن يذهبون إلى بلاد الكفار بصفات رسمية فهذا الذي لا يليق، وليس له مبرر إلا التقليد الأعمى والتأثر بهم، فإن كان هذا تحول الظاهر، فما بالكم بتحول الباطن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فأقول رحم الله عمر، لقد نهى رضي الله عنه أن يرفع الصليب على كنائسهم وفي طرقات المسلمين، لقد رفعت، بل ونصبت الصلبان في ديار المسلمين، وفي طرقاتهم علنًا، بل ويأخذون الموافقة عليها، ولقد نهى رضي الله عنه عن نشر كتبهم أو ظهورها في أسواق المسلمين، فكيف لو رأى أن الكتب المنحرفة والمجلات الخليعة التي تدعوا إلى الفاحشة والشر والفساد علانية هي التي طغت أسواق المسلمين، وهي التي يسهل أمر طبعها ونشرها وبيعها، وغيرها يضيق عليها.
ويقول شيخ الإسلام، ابن تيمية رحمه الله تعالى، أيضًا، يذكر جوانب ومآثر أخرى من حياة هذا الرجل العظيم، فيقول رحمه الله تعالى:"ولقد كان رضي الله عنه، يمنع من استعمال الكفار في أمور الأمة، أو إعزازهم بعد أن أذلهم الله، قال أبو موسى الأشعري، قلت لعمر رضي الله عنه، إن لي كاتبًا نصرانيًا، فقال: مالك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ألا اتخذت حنيفًا - يعني مسلما - قال قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدنيهم إذ أقصاهم الله."
وكتب إليه خالد بن الوليد يقول: إن بالشام كاتبًا نصرانيًا لا يقوم خراج الشام إلا به، فكتب إليه عمر: لا تستعمله، فكتب خالد إلى عمر: إنه لا غنى بنا عنه، فرد عليه عمر: لا تستعمله، فكتب إليه خالد: إذ لم نستعمله ضاع المال، فكتب إليه عمر مات النصراني والسلام.
فأقول أيها الأخوة، ماذا يقول عمر لو نظر إلى أحوال بلاد المسلمين، وتسلط الكفرة عليها، بل وتمكين المسلمين لهم، بالتدخل في جميع شئونهم، كان عمر رضي الله عنه، ينهى حتى عن الكاتب، فما بالكم بالمستشارين لو كانوا من اليهود والنصارى، وماذا نتوقع أن تكون مشورتهم، والله عز وجل يقول في كتابه: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم وقال سبحانه: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا وقال عز وجل: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار.
لقد وصل الحال ببعض الدول الإسلامية إنك تجد حتى في النواحي العسكرية التي يقوم عليها أمن البلد، يولي وينصب من غير المسلمين، فماذا نرجو بعد هذا يا عباد الله.
ولقد كانت هذه السياسة الحكيمة لعمر من منع تولي غير المسلمين لأمور المسلمين، وإن كانت شيئًا بسيطًا، كانت هذه السياسة، مستوحاة من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لحقه مشرك ليقاتل معه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إني لا أستعين بمشرك ) ). هذا أيها الأخوة على المستوى العام.
أما على مستوى الأفراد، وثقة المسلمين بالكفار فإنها مصيبة وبلية نزلت بالمسلمين، فإننا نجد ارتياح الناس وثقتهم بالسائقين والخدم من غير المسلمين أكثر، وأصحاب المحلات التجارية، يولون أمورهم وأموالهم لغير المسلمين، ويثقون فيهم أكثر. اللهم إن أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.
الخطبة الثانية
أما بعد:
لقد ضرب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أروع الأمثلة، وقدم أحسن النماذج، التي يمكن أن يتمثل بها كل حاكم، وكل والٍ إلى قيام الساعة. فمن ذلك أنه كان رضي الله عنه مع هذا الحزم والحيطة والغلظة عليهم، كان يكتب إلى عماله، يحذرهم من الترفع