الصفحة 4 من 9

الخطبة الأولى

أما بعد:

كان حديثي معكم في الجمعة الماضية، هو مواقف مختارة من حياة صديق هذه الأمة، أبو بكر رضي الله عنه، ومحاولة الاستفادة والاتعاظ وأخذ الدروس والعبر من حياته رضي الله تعالى عنه. وسوف نقف في هذه الجمعة، بعد توفيق الله عز وجل، مع فاروق هذه الأمة، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، نتلمس بعض الفوائد من بعض المواقف من حياته.

عباد الله:

اعلموا رحمكم الله، أن الله عز وجل، اختار نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم للرسالة إلى الخلق بهذا الدين الكامل، لينشره بين العالمين، واختار له من الأصحاب أفضل الناس بعد النبيين، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقومها عملا، وأقلها تكلفا، جاهدوا في الله حق جهاده في حياة نبيهم، وبعد وفاته، فنصر الله بهم هذ الدين، ونصرهم به وأظهرهم على الدين كله ولو كره المشركون.

وكان منهم الخلفاء الراشدون، الأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، فكانت خلافتهم أفضل خلافة، وحكمهم أحسن حكم، ولن يظهر حكم على وجه الأرض، كحكمهم، تشهد بذلك أفعالهم، وتنطق به آثارهم، أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان، وأبو حفص الفاروق، عمر بن الخطاب، وأبو عبد الله ذو النورين عثمان بن عفان، وأبو الحسن ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين.

وكان أفضلهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفيقه في الغار، الذي نطق بما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية، حين اشتد الأمر على كثير من المهاجرين والأنصار، وثبت الله به المسلمين يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ونصر الله به الإسلام حين ارتد من ارتد من العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من بركته على هذه الأمة، ونصحه لها، ووفور عقله وصدق فراسته أن استخلف على الأمة بعده وزيره وقرينه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (( لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ) )وقال صلى الله عليه وسلم يخاطب عمر: (( والذي نفسي بيده مالقيك الشيطان سالكًا فجًا قط، إلا سلك فجًا غير فجك ) )وسأل عمرو بن العاص رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الرجال إليه فقال: (( أبو بكر، قال: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب ) )وعد رجالًا. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان ينزع من بئر، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين. قال ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر، فاستحالت في يده غربًا، فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن، ولقد صدق الله رسوله الرؤيا، فتولى الخلافة عمر بن الخطاب بعد أبي بكر رضي الله عنهما، وقوى سلطان الإسلام، وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد الشام والعراق ومصر، وأرمينية، وفارس، حتى قيل إن الفتوحات في عهده بلغت ألفًا وستًا وثلاثين مدينة مع سوادها، بنى فيها أربعة آلاف مسجد، وكان رضي الله عنه مع سعة خلافته مهتمًا برعيته، قائمًا فيهم خير قيام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"إن الله أعز به الإسلام، وأذل به الشرك وأهله، وأقام شعائر الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه نزوع إلى نقض عرى الإسلام، مطيعًا في ذلك الله ورسوله، وقّافًا عند كتاب الله، ممتثلًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، محتذيًا حذو صاحبيه، مشاورًا في أموره السابقين الأولين، مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم ممن له علم ورأي، أو نصيحة للإسلام وأهله، حتى إن العمدة في الشروط على أهل الذمة على شروطه، فقد شرط رضي الله عنه على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، ما ألزموا به أنفسهم من إكرام المسلمين، والتميز عنهم في اللباس والأسامي وغيرها، وأن لا يُظهروا الصليب في كنائسهم، ولا في شيء من طرق المسلمين، وأن لا ينشروا كتبهم أو يظهروها في أسواق المسلمين". انتهى.

فتأملوا رحمكم الله، كيف وصل الحال الآن بمجتمعات المسلمين. فأقول رحم الله عمر بن الخطاب، وجزى الله الإسلام والمسلمين عنه خير الجزاء، كيف بالتميز بين المسلمين وغيرهم من ملل الشرك والكفر حتى في اللباس والأسماء، لكي يتميز المسلم عن غيره، فوصل الحال ببعض المسلمين، أن يسموا أولادهم بأسماء الكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت