الصفحة 3 من 9

ومن ورعه وتقشّفه رضي الله عنه ما روِي من أنّ امرأته اشتهَت الحلوى، فادّخرت لذلك من نفقةِ بيتها حتى جمعَت ما يكفي لصنعها، فلمّا بلغ عمرَ ذلك ردّ ما ادّخرته إلى بيت المال وأنقص من النفقة بقدرِ ما ادّخرت.

الخطبة الثانية

لا زالت الدّنيا ترزى بموت الأخيار، وتبلى بوفاة الأطهار، وتأتي نهاية عمَر بالموت كما هو سبيلُ كلّ حيّ سوى الله، فبينما عمر يصلّي بالناس صلاةَ الفجر إذ طعنه أبو لؤلؤةَ المجوسي، وطعن معه ثلاثةَ عشر رجلا، فقال عمر: قتلني الكلبُ، وتناول عمر يدَ عبد الرحمن بن عوف فقدّمه ليتمّ الصلاة، وأهلُ المسجد لا يدرون ما يجرِي إلا من كان خلفَ عمر، غيرَ أنهم فقدوا صوتَ عمر وهم يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فصلّى بهم عبد الرحمن صلاةً خفيفة، فلمّا انصرفوا قال عمر: يا ابن عباس، انظر من قتَلني، فذهب ابن عباس ثم عاد فقال: قتلك غلامُ المغيرة، قال عمر: قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتَتي بِيَد رجُلٍ يدّعي الإسلام، فاحتمل إلى بيته فانطلَقنا معه وكأن الناس لم تصِبهم مصيبة قبل يومئِذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميّت، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شابّ فقال: أبشر ـ يا أمير المؤمنين ـ ببشرى الله لك من صحبة رسول الله وقدمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثمّ ولِّيتَ فعدَلت، ثم شهادة، قال عمر: ودِدتُ أنّ ذلك كفاف، لا لي ولا عليّ، فلما أدبر الشابّ إذا إزاره يمسّ الأرض، فقال عمر: ردّوا عليّ الغلام، قال: ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك.

ثم دعا ابنه عبد الله فأمره أن يقضيَ ما عليه من الديون، ثم أمره أن ينطلقَ إلى عائشة ليستأذنها في أن يدفَنَ مع صاحبَيه، فأذنت له وآثرته بالمكان على نفسها، فلمّا رجع عبد الله وأخبر عمر الخبر قال عمر: إن أنا قضيتُ فاحملوني ثم سلّم فقل: يستأذنُ عمر بن الخطاب، فإن أذِنت فأدخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين.

قال عثمان بن عفان: أنا آخركم عهدا بعمَر، دخلتُ عليه ورأسُه في حجر ابنه عبد الله، فقال له: ضع خدي على الأرض، فقال عبد الله: فهل فخذي والأرض إلا سواء؟! فقال عمر: ضع خدّي بالأرض لا أمّ لك، وسمعتُه يقول: ويلي وويلَ أمّي إن لم تغفِر لي حتى فاضَت نفسه.

هذا هو عمر الذي عجَزت نساء الدنيا أن يلدنَ مثله، وقصرت أرحامهن أن تخرج للأرض رجلا على شاكلته. ما بلغ عمر وأصحابُه ما بلغوا إلاّ بهذا الدين الذي أعزّهم الله به، ومن أراد أن يدرك الركبَ فليأخذ بما أخذوا، وليلتَزم ما التزموا، ومن يفعَل ذلك فقد هدِي إلى صراط مستقيم.

عباد الله:

فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم إنّ التشبّهَ بالكرام فلاح

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

1389 ناصر محمد الأحمد الخبر ... 16/ 10/1410 ... مسجد النور

ملخص الخطبة

1 -فضل الصديق واستخلافه عمر.

2 -الشيطان يفر من عمر.

3 -الفتوحات في عهد عمر.

4 -أمر عمر الكافرين بالتميز عن المسلمين في لباسهم وهيئتهم.

5 -تقليد المسلمين للنصارى وتعظيمهم.

6 -منع عمر لاتخاذ الكفار بطانة.

7 -تحذير عمر عماله من الإسراف والكبر.

8 -ورع عمر بن الخطاب وتحسسه أخبار رعيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت