والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلًا نهارًا، وسرًا وجهرًا، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حر وعبد، وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء.
وتسلط عليه وعلى من اتبعه من أحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية.
روى الإمام أحمد، والبيهقي عن ربيعة بن عباد من بني الديل - وكان جاهليًّا فأسلم - قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق (ذي المجاز) وهو يقول: (( يا أيها الناس! قولوا:(لا إله إلا الله) تفلحوا )).
والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيءُ الوجه أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب.
ثم رواه البيهقي من طريق أخرى عن ربيعة الديلي قال:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ (ذي المجاز) يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، وراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: يا أيها الناس! لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم.
قلت: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب.
وروى البخاري في (( التاريخ ) )، والبيهقي عن الحاكم من حديث عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنا. فقال: يا عقيل! انطلق فأتني بمحمد. فانطلقت فاستخرجته من كنس، أو خنس- يقول: بيت صغير - فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء، فقال:
(( ترون هذه الشمس؟ ) ). قالوا: نعم. قال:
(( فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة ) ).
فقال أبو طالب: والله؛ ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا.