الصفحة 6 من 10

الإقرار بتلك الصفات مع نفي مشابهتها لصفات المخلوقات، فليس تشبيها و لا تجسيما، و إنما هو إثبات و تنزيه؛ و إلا كانت كل الطوائف التي وصفت الخالق بالعلم و الإرادة، و السمع و القدرة مشبهة (21) .

و أما القاضي أبو بكر ابن العربي فهو كغيره من متأخري الأشعرية، يرون أن إثبات الصفات الخبرية، كعلو الله و استوائه على عرشه، هو تشبيه لذا يجب تأويلها، فالتشبيه عندهم هو إثبات تلك الصفات بلا تأويل (22) . لذلك كان الحنابلة و أهل الحديث في منظور هؤلاء مشبهة، فهم و إن أثبتوها بلا تشبيه، فهم مشبهة لأنهم لم يؤوّلونها!. و لا شك أن المنهاج الصحيح و السليم في مسألة الصفات، هو إثبات كل الصفات التي ثبتت في الشرع الحكيم بلا تشبيه، و لا تعطيل و لا تأويل، و هذا منهج يشهد بصحته الشرع و العقل معا ليس هنا مجال تفصيل ذلك، و أما ما يُخالفه من مواقف و وجهات نظر أخري فهو لا يصح.

و لتوضيح الأمر أكثر-فيما يتعلق بالاختلاف في مفهوم التنزيه و التشبيه- اضرب على ذلك ثلاثة أمثلة، أولها يتمثل في أن الباحث زهدي جار الله اتهم الحنابلة بالتجسيم اعتمادا على أبيات شعرية قالها بعض أهل العلم من الحنابلة، يقول فيها:

و إن كان تشبيها ثبوت صفاته × على عرشه إني إذن لمجسم

وإن كان تنزيها جحود استوائه × و أوصافه أو كونه يتكلم

فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... × بتوفيقه و الله أعلى و أعظم (23)

فهذه الأبيات عند الباحث زهدي جار الله، فيها تجسيم -حسب نظرة المؤولين- لأنها أثبتت صفة الاستواء على العرش، لكنها عند الحنابلة- و أهل الحديث أيضا- ليست تجسيما-حسب مفهومهم للتشبيه- و إنما هي إثبات لصفة قال الله تعالى عنها: (( الرحمن على العرش استوى ) )-سورة طه/ 5 - في إطار قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة الشورى/ 11 - ،و (( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ - سورة الإخلاص / 4 - .

و المثال الثاني يتمثل في أن المؤرخ أبا شامة المقدسي الأشعري (ت665 ه/1266م) عندما ترجم للموفق بن قدامة المقدسي (ت 620هجرية) ، شهد له بالعلم و الفهم و الإمامة في الدين، ثم قال عنه: (( لكن كلامه فيما يتعلق في العقائد في مسائل الصفات و الكلام، هو على الطريقة المشهورة عند أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح الأمر له، على جلالته في العلم، و معرفته بمعاني الأخبار و الآثار ) ) (24) .و قد عقب علية الحافظ شمس الدين الذهبي بقوله: (( و هو-أي الموفق- و أمثاله متعجب منكم مع علمكم، و ذكائكم كيف قلتم. . .!، وكذا كل فرقة تتعجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت