الصفحة 7 من 10

من الأخرى )) (25) .و سبب تعجب أبي شامة من الموفق في مسألة الصفات، هو أنه نظر إليها من منظور المؤولين للصفات، لا من منظور المثبتين لها.

و أخرها-أي المثال الثالث- هو أن الفقيه تقي الدين بن عبد الحميد المقدسي الحنبلي (ت679ه/ 1280م) كان لهجا بإيراد الصفات، فرماه الأشاعرة بالتجسيم و تلطخ به، لكن الحافظ شمس الدين الذهبي شهد له بأنه بريء منه، و أنه صنف كتابا في الصفات غالبه جيد (26) . فما هو سبب اختلافهم في هذا الرجل؟ هو أن الأشاعرة رموه بالتجسيم لأنه أثبت الصفات و لم يؤولها على طريقتهم؛ و الذهبي برأه من ذلك لأنه نظر إلى المسألة بمنظور الحنابلة و أهل الحديث، لا بمنظور هؤلاء.

و أخيرا يتبين مما ذكرناه أن القاضي أبا بكر بن العربي، لم يُنصف الحنابلة و تحامل عليهم بلا حق، و بالغ في ذمهم و ظلمهم، و صوّرهم في صورة منفرة مشينة، و ذكر عنهم أخبارا غير صحيحة عنهم و عن مذهبهم. فما هي الأسباب التي أوقعته في كل ذلك؟.

هي في اعتقادي ثلاثة أسباب رئيسية، أولها إن ابن العربي نظر إلى الحنابلة -مذهبا و طائفة- من منظور مذهبه الأشعري. فرآهم طائفة ضالة زائغة، و لم ينظر إليهم من خلال مذهبهم، و لا من خلال نظرة موضوعية نزيهة قائمة على النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح.

و السبب الثاني هو أن القاضي ابن العربي استقى أخباره عن الحنابلة من طريق خصومهم الأشاعرة ببغداد، فأورثه ذلك نظرة أحادية مذهبية متعصبة، أفقدته التوازن و الموضوعية في نظره إلى الحنابلة و حكمه عليهم.

و آخرها- أي السبب الثالث- هو أن معرفة ابن العربي بالحنابلة -مذهبا و طائفة- كانت قليلة على ما يبدو، لذلك و جدناه يذكر أخبارهم و عقائدهم معتمدا على خصومهم، و كان من الواجب عليه أن يخالطهم، و يسمع منهم، و يطالع كتبهم، قبل أ، يكتب عنهم. لذا وجدناه نسب إلى القاضي أبي يعلى الفراء أمورا شنيعة هو بريء منها، و لم تثبت في حقه.

تم و لله الحمد

الهوامش:

1 -حققه عمار الطالبي، الشركة الوطنية للنشر و الإشهار، الجزائر، 1981 ج2 ص: 281 - 282، 288، 303.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت