كالأشعرية، و الصواب في ذلك أنها لا تُعطل و لا تُشبّه و لا تُؤوّل، و إنما تُثبت مع نفي التشبيه و الأدوات (15) .
و يقول أبو الحسين ابن أبي يعلى-دفاعا عن والده و الحنابلة-: و يلزمهم التشبيه لو وُجد فيهم أحد أمرين، الأول أنهم هم الذين ابتدعوا صفات الله، و الثاني أنهم صرحوا باعتقادهم للتشبيه، أما و أن الشرع هو الذي ذكر الصفات، و قوله حجة يسقط كل ما يعارضه، و الحنابلة تبع له و قد نفوا التشبيه، فلا يجوز أن ينسب إليهم ما يعتقدون نفيه (16) .
و يضيف أبو الحسين الفراء قائلا: إنه مما يدل على أن طريقة الحنابلة في الصفات لا تلزمهم التشبيه، أن كل الطوائف مجمعة على أن البارئ-سبحانه و تعالى- ذات و شيء و موجود، و لا يلزمها إثبات جسم، و لا جوهر، و لا عرض، و إن كانت الذات في الواقع المشهود لا تنفك عن هذه السمات الثلاث. فكذلك الحنابلة لا يلزمهم في أخبار الصفات ما يقتضيه العرف المشاهد في الوجود (17) .و نقل أبو الحسين هذا عن والده القاضي أبي يعلى- المتهم بالتشبيه- أنه قال: (( فمن اعتقد أن الله سبحانه حسم من الأجسام، و أعطاه حقيقة الجسم، من التأليف و الانتقال، فهو كافر لأنه غير عارف بالله عز و جل، لأن الله سبحانه يستحيل و صفه بهذه الصفات ) ) (18) .
و قد أنكر شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ما رواه أبو بكر ابن العربي عن القاضي أبي يعلى الفراء عن اللحية و العورة، و قال: إنه كذب منقول عن مجهول. لكنه اعترف من جهة أخرى أن القاضي أبا يعلى الفراء ذكر في بعض كتبه أحاديث مكذوبة، صريحة في التشبيه كحديث إقعاد الرسول -صلى الله عليه و سلم- على العرش، و هو حديث المقام المحمود (19) . و الذي أوقعه في ذلك هو ضعفه في علم الحديث، فقد كان قليل الخبرة فيه و برجاله، فروى أخبارا مكذوبة احتج بها في الأصول و الفروع (20) ، أوهمت التجسيم و وجد فيها خصومه حجة قوية لمقارعته. و أما هو فلم يكن يعتقد التجسيم و لا التشبيه، كما سبق أن بيناه. و هذا الذي صدر منه هو خطأ في تطبيق منهج السلف و الحنابلة و أصحاب الحديث لضعفه في علم الحديث، و ليس هو خطأ في منهجه الآنف الذكر.
و قد يتساءل بعض الناس فيقول: إذا كان منهج أبي يعلى الفراء و أصحابه الحنابلة، في مسألة الصفات منهجا صحيحا موافقا لمنهج السلف و أهل الحديث، فلماذا ذمهم ابن العربي و صورهم في صورة بشعة؟.
إن السبب في ذلك يرجع إلى الاختلاف في مفهوم التشبيه و التنزيه عند كل من الطرفين، فالحنابلة يعتقدون أن إثبات الصفات الإلهية ليس تشبيها، و لا تعد كذلك إلا إذا قيل: يد الله كيد البشر، و سمعه و بصره كسمع و بصر الإنسان. و أما