وإنما حدثت لابنه أبي نصر عبد الرحيم (ت514هجرية) ، عندما زار مدينة بغداد سنة 469هجرية؛ و كان هو السبب في حدوثها و ليس الحنابلة، فعندما استقر في بغداد ألقى درسا في المدرسة النظامية الأشعرية، نصر فيه مذهب الأشعرية، و ذم الحنابلة و نسبهم إلى التجسيم، فتألموا من ذلك و أنكروا عليه فعلته (8) . فأبو نصر القشيري هو المعتدي و ليس الحنابلة، فهو رجل غريب جاء إلى بلدهم-أي الحنابلة- و ذمهم فيه و نسبهم إلى التجسيم، و نصر مذهبه علانية، و ليس في هذه الرواية أنهم قالوا له: قاعد، قاعد. فكل ذلك يؤكد أن الذين أخبروا ابن العربي بالحادثة لم يصدقوه الحديث.
و أشير هنا إلى أن قول الحنابلة - في رواية ابن العربي-: (( قاعد، قاعد ) )فإن صحّ ذلك عن بعضهم فإنه يستند إلى حديث المقام المحمود الذي نص على أن الله تعالى سيقعد معه رسوله بجانبه على العرش يوم القيامة. و هو حديث رُوي بطرق كثيرة كلها موضوعة على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل و النقل (ج5 ص: 237) . و يرده أيضا ما رواه الإمام البخاري و غيره من المحدثين، من أن المقصود بالمقام المحمود هو الشفاعة العظمى التي يؤتيها الله تعالى لنبيه -عليه الصلاة و السلام- يوم القيامة (9) . لكنني أشير أيضا إلى أنه وُجِد في الحنابلة من قال بأن لمقام المحمود هو اقعاد الرسول على العرش، منهم: أبو محمد البربهاري البغدادي (ت329ه) ،و القاضي أبو يعلى الفراء (ت458هجرية) ، (10) .
و أما ما حكاه ابن العربي عن القاضي أبي يعلى الفراء -المتعلق بذلك القول الشنيع المنسوب إليه في القول بالعورة و اللحية- فهو خبر لم يذكر له إسنادا و نسبه إلى مجهول، نحن لا نعرفه، و قال هو عنه: إنه يثق فيه. كما أن هذا المجهول هو من خصوم أبي يعلى الفراء، و قد كانت العداوة شديدة و مستحكمة بين الشافعية الأشاعرة، و الحنابلة من بني الفراء ببغداد، انتهت إلى الخصومات و النزاعات و المصادمات (12) . فرواية ابن العربي عن أبي يعلى مطعون فيها لافتقادها الإسناد الواضح الثابت، و هو شرط أساسي من شروط صحة الخبر.
و الغريب في الأمر أن ابن العربي صدّق ما رواه له خصوم أبي يعلى عنه، و لم يرجع بنفسه إلى مؤلفات الرجل ليطلع على أفكاره، و هي شاهدة على براءته مما اتهم به. فقد نص -أي أبو يعلى- في كتابه: المعتمد في أصول الدين، على أن الخالق -عز وجل - لا مثل له و لا شبيه، و لا يوصف بصفات المخلوقات الدالة على حدوثهم (13) .و أكد أن البارئ ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض، و أن مذهب الحنابلة هو إثبات الأسماء و الصفات مع نفي التشبيه و الأدوات (( 14) . و أنه تعالى فرد الذات متعدد الصفات، لا شبيه له في ذاته و لا في صفاته، و لا ثاني له و لا نظير. و صفاته كيفياتها مجهولة، لا تُرد كالجهمية، و لا تُحمل على التشبيه كالمشبهة الذين أثبتوا الكيفية، و لا تؤوّل على اللغات و المجازات