الصفحة 3 من 10

و حكى خبرا يتعلق بالقاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي قال فيه: (( و أخبرني من أثق به من مشيختي، أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء رئيس الحنابلة ببغداد، كان يقول: إذا ذُكر الله تعالى، و ما ورد من هذه الظواهر ... ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه، إلا اللحية و العورة ) ).و ذكر عنه في موضع آخر أنه كان: (( يلتزم في صفة البارئ كل شيء، إلا اللحية و الفرج ) ). ثم قال ابن العربي: (( فانظروا نبهكم الله إلى هذا المفتري على الشريعة في جنب الله ) ) (11) .

ثانيا: التعقيب على ابن العربي و مناقشته:

لقد جانب القاضي ابن العربي الصواب عندما ألحق الحنابلة - و معهم أهل الحديث- بأهل الظاهر الذين يُسمون بالمجسمة و المشبهة، مستخدما في ذلك التمويه و التعميم، لأن الحنابلة- و أهل الحديث- عندما يقولون بأنهم يأخذون بظاهر آيات الصفات و أحاديثها، لا يعني أنهم يعتقدون مشابهتها لصفات المخلوقات، و إنما قصدهم من ذلك أنهم يثبتونها بلا تأويل و لا تعطيل، و لا تشبيه و لا تجسيم (3) . فذلك هو المقصود من قولهم بأنهم يأخذونها على ظاهرها، لا أنهم يعتقدون مشابهتها لصفات المخلوقين.

كما أنه لم يحترم أخلاقيات البحث العلمي، و ظلم الحنابلة و أصحاب الحديث و افترى عليهم عندما عدّهم من الكائدين للإسلام، و أنهم من أصل خبيث. و أغمض عينيه عن دورهم الريادي في الحفاظ على مذهب السلف و أهل السنة من جهة، و في التصدي للفرق الضالة من الجهمية و المعتزلة، و الشيعة و الفلاسفة -خلال العصر الإسلامي- من جهة أخرى (4) .

و أما تشهيره بالحنابلة في الأخذ بالصفات التي ذكرها، فهم كغيرهم من علماء السلف لا يثبتون إلا الصفات التي أثبتها الشرع، كاليد، و الأصابع، و الضحك، بلا تشبيه و لا تعطيل و لا تأويل (5) . وذلك ليس بعيب فيهم، و إنما العيب في الذي يغمض عينيه عن آيات و أحاديث الصفات، ثم ينسب ذلك للحنابلة و يقول: إنهم يقولون بكذا و كذا. لكن مع ذلك قد يُوجد في الحنابلة من قد يثبت صفة لا تليق بذات الله تعالى معتمدا على حديث غير صحيح معتقدا صحته؛ و هذا خطأ منه في تطبيق المنهج، و ليس عيبا في منهجه و طائفته. علما بأن علماء الحنابلة ليسوا على درجة واحدة من الإثبات، ففيهم من يميل إليه كثيرا، و فيهم من لا يتوسع فيه و يميل إلى المؤولين، و فيهم من يتوسط بين الفريقين في الأخذ به (6) .

و الرواية التي ذكرها عن فتنة القشيري، فهي لا تصح بتلك الصيغة التي حكاها بها، و أظهر فيها انتصاره للقشيري، و تحامله على الحنابلة. و هذه الفتنة التي رواها لم تحدث للصوفي أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن (ت465هجرية) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت