مواقف المتكلم أبي بكر بن العربي من الحنابلة من خلال كتابه: العواصم من القواصم.
رسم القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأشعري (ت543هجرية) ، صورة مشينة و منفرة
عن الحنابلة و أصحاب الحديث، في الجزء الثاني من كتابه: العواصم من القواصم، و لم يُنصفهم
فيما حكاه عنهم. فما تفصيل ذلك؟،و هل أصاب في انتقاده لهم؟، و ما هي أسباب تحامله عليهم
و خطئه في حقهم؟.
أولا: عرض ما ذكره ابن العربي عن الحنابلة:
هاجم القاضي أبو بكر ابن العربي الحنابلة بعنف، و اتهمهم بتهم شنيعة، و بالغ في ذمهم و التنفير منهم، و جمعهم كلهم في سلة واحدة دون استثناء. فمن ذلك أنه ألحق الحنابلة و أهل الحديث-الذين عاصرهم- بأهل الظاهر الآخذين بظواهر النصوص الشرعية في العقائد و الأصول، و جعلهم ممن كاد للإسلام من جهة، و وصفهم بأنهم لا فهم لهم، و لا قلوب لهم يعقلون بها، و لا آذان يسمعون بها من جهة أخرى، فهم كالأنعام بل هم أضل. و عدّهم من الغافلين الجاهلين في موقفهم من الصفات، و شبههم باليهود، و قال: إنه لا يُقال عنهم: بنوا قصرا و هدّموا مصرا، بل يُقال: هدموا الكعبة، و استوطنوا البيعة. و هم في الأصل طائفة خبيثة، و ما تفرّع عنها خبيث أيضا (1) .
و من ذلك أيضا أنه شهّر بالحنابلة بأنهم يقولون: إن الله تعالى يتكلم بحرف و صوت، و أن الحروف قديمة، وأن له يدا و أصابع، و ساعد و أذرع و خاصرة و ساقا و رجِلا، و أنه يضحك، و يمشي و يهرول (2) .
و ذكر أيضا أن الحنابلة أظهروا التشبيه في بغداد في فتنة القشيري، فقال: (( و لقد أخبرني جماعة من أهل السنة بمدينة السلام، أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الصوفي، من نيسابور فعقد مجلسا للذكر، و حضر فيه كافة الخلق، و قرأ القارئ: (( الرحمن على العرش استوى ) ). فقال لي أخصهم: فرأيتهم يقومون-أي الحنابلة- في أثناء المجلس و يقولون: قاعد، قاعد بأرفع صوت و أبعده مدى. و ثار إليهم أهل السنة من أصحاب القشيري )) ، و حدثت فتنة بين الطائفتين مات فيها بعض الناس (7) .