واعلم أنه لا يتم التقرُّب إلى الله - تعالى - بترْك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام، إلا بعد التقرُّب إليه بترك ما حرَّم الله عليه في كل حال: من الكذب، والظلم والعدوان على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (( من لم يَدَعْ قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامه وشرابه ) )؛ رواه البخاري.
وسرُّ هذا: أن التقرب إلى الله بترك المباحات لا يكمل إلاَّ بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات، ثم تقرَّب إلى الله بترْك المباحات، كان بمثابة مَن يترك الفرائض ويتقَرَّب بالنوافل، وإن نوى بأكْله وشربه تقويةَ بدنه على القيام والصيام، كان مُثابًا على ذلك، كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوِّي على العمل، كان نومه عبادة، وفي حديث مرفوع: (( نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله مضاعَف، ودعاؤه مستجاب، وذنبه مغفور ) ) [1] .
فالصائم في ليله ونهاره في عبادة، ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره، فهو في نهاره صائم صابرٌ، وفي ليله طاعمٌ شاكر، ومن شرط ذلك: أن يكون فطره على حلال، فإن كان فطره على حرام، كان ممن صام عما أحل الله وأفطر على ما حرم الله، ولم يُستجب له دعاء.
واعلم أنَّ المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان: جهادٌ لنفسه بالنَّهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذَين الجهادين، ووَفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما - وُفِّي أجرَه بغير حساب.
(1) رواه البيهقي عن عبدالله بن أبي أوفى، ورمز السيوطي لضعفه،"الجامع الصغير"ج2/ص188.