الصفحة 21 من 372

ولما قاربت الأيام السبعة أن تتم, رآه اليهود الذين من أسيا في الهيكل, فأهاجوا كل الجمع وألقوا عليه الأيادي صارخين: يأيها الرجال الإسرائيليون أعينوا! هذا هو الرجل الذي يعلم الجميع في كل مكان ضدًّا للشعب والناموس وهذا الموضع, حتى ادخل يونانيين أيضا إلى الهيكل ودنس هذا الموضع المقدس. لأنهم كانوا قد رأوا معه في المدينة تروفيمس الافسسي, فكانوا يظنون أن بولس ادخله إلى الهيكل. فهاجت المدينة كلها, وتراكض الشعب وامسكوا بولس وجروه خارج الهيكل. وللوقت أغلقت الأبواب. وبينما هم يطلبون أن يقتلوه, نما خبر إلى أمير الكتيبة إن أورشليم كلها قد اضطربت. فللوقت اخذ عسكرا وقواد مئات وركض إليهم. فلما رأوا الأمير والعسكر كفوا عن ضرب بولس (اع 21: 17 - 32) ].

لم تشفع لبولس بلاغته مع الجماهير ولا مكره مع الهيكل ولا حتى فلسفته مع الولاة والحكام فما كان منه إلا أن قال (إلى قيصر أنا رافع دعواي) . فأجابه الوالي (إلى قيصر رفعت دعواك, إلى قيصر تذهب!) .

أيقن بولس بعد الثورة عليه في الهيكل ومحاولة قتله إن لحظة الحسم قد حانت فلم تعد تجدي الحلول الوسط أو حتى نفاق كنيسة أورشليم [ (وترامى إليه وهو في هذه المحنة أن(جماعة المختتنين) قد نقضوا, على ما يبدو, اتفاق أورشليم وذهبوا إلى غلاطية وطلبوا إلى جميع المهتدين أن يطيعوا الشريعة اليهودية إطاعة كاملة. فما كان منه إلا أن كتب إلى أهل غلاطية رسالة تفيض بالغضب, انفصل بها نهائيا عن المسيحيين المتهودين, وأعلن فيها أن الناس لا ينجون لاستمساكهم بشريعة موسى بل بإيمانهم القوي الفعال بالمسيح المنقذ ابن الله] [1] .

كان سفر بولس الأخير إلى روما رحيل عن أورشليم مكانا وفكرا وساهمت التطورات التاريخية في حسم الخلاف فقد كانت كنيسة أورشليم تحتضر داخليا بفعل الاضطهاد الخارجي (تولى أمور كنيسة أورشليم القديس يعقوب البار احد الاثنى عشر حتى سنة 62م حين استشهد. وقد كان أول أسقف عليها, وحسبما يخبرنا هيجيسبوس. وخلفه أخوه سمعان بن كلوبا الذي استشهد مصلوبا على يد اتيكس والي اليهودية سنة 106م وله من العمر 120سنة. ويبدوا أن سمعان خلف يعقوب مباشرة عقب استشهاده, وانه هو الذي انتقل بالمسيحيين من أورشليم إلى بلّا قبيل خراب أورشليم, إتماما لوصية الرب. ولكن كنيسة أورشليم لم تحتفظ بمركزها الديني المتميز بسبب ما حل بالمدينة من خراب سنة 70م) [2] .

أما سبب الخراب أن اليهود ثاروا على الإمبراطورية الرومانية. فما كان من الرومان إلا أن أرسلوا القائد فسبسيان ومعه القائد تيطس لإخماد الثورة وظل تيس في اليهودية وأصبح هو القائد بعدما صار فسبسيان إمبراطورا وكانت نهاية الثورة بعد صراع مرير وخسائر فادحة للرومان أهاجت لديهم مشاعر الانتقام فقاموا بتدمير مدينة أورشليم وهدم الهيكل وإحراقه. وانعكس هذا كله على أتباع كنيسة أورشليم [ (أخذت المسيحية اليهودية من ذلك الوقت يقل عدد أتباعها وتضعف قوتها وتترك الدين للعقلية اليونانية تشكله وتصبغه بصبغتها. اصمت الجليل, الذي قضى فيه المسيح كل حياته تقريبا والتي عفا منها ذكرى المجدلية وغيرها من النساء اللاتي كن من بين أتباعه الأولين, اصمت أذنها عن سماع الوعاظ الذين جاءوها يدعون أهلها للدخول في دين الناصري ابن الله. ذلك أن اليهود المتعطشين إلى الحرية, والذين كانوا يذكرون كل يوم في صلواتهم إن(الله واحد) لم يستسيغوا فكرة (المسيح) المنتظر الذي لا يأبه بكفاحهم في سبيل الاستقلال, ورأوا إن من العار أن يقال أن إلها قد ولد في كهف أو اصطبل في إحدى قراهم. وظلت المسيحية اليهودية قائمة مدى خمسة قرون بين طائفة قليلة من المسيحيين السريان المسميين بالابيونيم (الفقراء) الذين كانوا يجمعون بين التقشف المسيحي والناموس اليهودي الكامل, فلما كان آخر القرن الثاني الميلادي حكمت عليهم الكنيسة المسيحية بالكفر وأخرجتهم من حظيرتها] [3] .

أما بولس فأصبح لزاما عليه بعدما أعلن قطيعته مع كنيسة أورشليم وطلب من أتباعه سواء عدم تطبيق أفكارها أو الالتزام بتعاليمها. كان لزاما أن يوجد فكر بديل أو لاهوت خاص بكنيسة الأمم وهو ما فعله.

(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

(2) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.

(3) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت