الصفحة 22 من 372

هل كان الانشقاق بين بولس وأفكاره وكنيسة أورشليم وأفكارها نتيجة طبيعية لأخطاء أم تطور حتمي هل هو خلاف مذهبي أم أن قوانين التاريخ هى التي قادت إلى هذه النتيجة. عند مراجعة الظروف التي أدت إلى هذه القطيعة نجد أن أعمدة كنيسة أورشليم قد جردوها من كل عناصر قوتها. بداية من السماح بدخول الأمم إلى الكنيسة فخرجت من محيطها الطبيعي وهذا فرض واقع جديد نتيجته وجود مرجعيتين اليهودية وغير اليهودية ووجود كنيستين أنطاكية وأورشليم. فأصبح هناك مركزين للدين كالقطبين يتجاذبان أتباع المسيح. وهنا كانت الغلبة لقطب أنطاكية ليس بسبب صحة أفكاره بل بسبب أن المقارنة لم تعد في صالحه فهى بين التزمت والانفتاح, التزمت في تطبيق الشريعة والانفتاح في التحرر منها بين الثابت والمتحرك الثابت بسبب ارتباك كنيسة أورشليم بالهيكل اليهودي والمتحرك بإمكانية إنشاء الكنائس في كل الأرض. بين أن تذهب إلى أورشليم حيث يعقوب الصديق وبين أن بأتي إليك بولس الرسول وأخيرا, بين محدودية الدعوة لليهود ولّا محدودية الدعوة للأمم جميعًا. ووفقا لقوانين التاريخ والطبيعة إن البقاء للأكثر قدرة على التأقلم والتعايش كان قطب أنطاكية هو الأقوى والذي دار حوله قطب أورشليم خاصة أنها أصبحت ذات يد عليا على أورشليم بسبب المساعدات التي تقدمها لها ويعتمد فقراء المدينة عليها.

أصبح الأمر مجرد وقت حتى يقوى بولس ويضعف بطرس وفي نهاية المطاف مالت الكفة إلى أنطاكية والأمم مما أعطى بولس الشجاعة بأن يجاهر بالعداء مع اليهود ويعلن القطيعة مع أصل المسيحية ويبشر بلاهوته الخاص بديل عن لاهوت أورشليم.

قد تكون كل تلك الأسباب هى أسباب مادية تؤثر ماديا بصرف النظر عن المضمون سواء صواب كان أم خطأ. أما بالنسبة للفكر فهو لا يتأثر بهذه العوامل. فلماذا وصل الخلاف الفكري إلى هذه القطيعة بل لا أبالغ إن قلت العداء. ولماذا لم يكن هناك أمل في الوصول إلى نقاط التقاء. رغم كل المحاولات التي بذلت وحتى الآن. يمكننا معرفة سبب القطيعة إذا استعرضنا مرجعية الأفكار لكل كنيسة ورؤيتها الخاصة للدين وكيفية تطبيقه.

[ظل المسيح زمنا طويلا لا يرى في نفسه إلا انه أحد اليهود, يؤمن بأفكار الأنبياء, ويواصل عملهم, ويجري على سنتهم, فلا يخطب إلا في اليهود. ولما أرسل أتباعه لينشروا إنجيله لم يرسلهم إلا لمدن اليهود (إلى طريق الأمم لا تمضوا، والى مدينة السامريين لا تدخلوا) , ومن ثم كان تردد الرسل بعد موته في أن يحملوا (الأنباء الطيبة) إلى عالم (الكفرة) . ولما التقى بالسامرية عند البئر قال لها: إن (الخلاص لهو من اليهود) , وان لم يكن من حقنا أن نحكم عليه من أقوال لعلها قد تقوّلها عليه إنسان إن لم يكن حاضرا معه, أو كتبها بعد ستين عامًا من الحادثة التي قيلت فيها. ولما طلبت إليه امرأة كنعانية أن يشفي ابنتها أبى في أول الأمر وقال: (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) . وقال للأبرص الذي شفاه من علته (اذهب وار نفسك للكاهن وقدم القربان الذي أمر به موسى) . (على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فحفظوه وافعلوه ولكن حسب أعمالهم - لا تعملوا) , ولما عرض يسوع أن تعدل الشريعة اليهودية, سار على سنة (هللّ) فلم يفكر في انه ينقض هذه الشريعة: (لا تظنوا إني جئت لانقض الناموس أو الأنبياء, ما جئت لانقض بل لأكمل) , (ولكن زوال السماء والأرض أيسر من أن بسقط نقطة واحدة من الناموس) .

ولكنه مع هذا قد بدل كل شيء بقوة أخلاقه وشعوره. فقد أضاف إلى الشريعة اليهودية أمره إلى الناس بأن يستعدوا للدخول في الملكوت بأن يحيوا حياة العدالة, والرأفة والبساطة. وزاد الشريعة صرامة في مسائل الجنس والطلاق, ولكنه خففها بأن كان أكثر استعدادا للعفو, وذكرّ الفريسيين أن السبت قد وضع لخير الإنسان , وخفف الشروط الموضوعة على الطعام والطهارة, وحذف بعض أوقات الصوم, وأعاد الدين من المراسم والطقوس إلى الصلاح والاستقامة, وندد بالجهر بالصلوات, والتظاهر بالصدقات, والاحتفالات الفخمة بالجنازات وترك الناس أحيانا يظنون أن الشريعة اليهودية سوف تمحى حين يحل الملكوت)] [1] .

(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت