بعض المسيحيين من ذوي الفكر اليهودي من عند يعقوب, تجده يجبن عن أن يستعمل هذه الحرية إذ (كان يؤخر ويفرز نفسه خائفا من الذين من الختان وراءى معه باقي اليهود، حتى أن برنابا انقاد إلى ريائهم) (غل 2: 12,13) ] [1] .
هكذا انتقد بولس رياء بطرس خوفا من كنيسة أورشليم فهل كان بولس من الشجاعة أن يجاهر بموقفه منها. لقد فعل بولس أكثر من الرياء في أكثر من موقف [ (فأراد بولس أن يخرج هذا معه, فأخذه وختنه من اجل اليهود الذين في تلك الأماكن لان الجميع كانوا يعرفون أباه انه يوناني(اع 16: 3) . فبولس هذه المرة خضع لتأثير اليهود وقبل ختان تيموثاوس ليتجنب مقاومتهم)] [2] .
ليست هذه المرة الوحيدة بل تكرر مرات متعددة [ (مارس بولس فريضة كانت سبب القيل والقال لان بولس كان عليه نذر, فحلق رأسه في كنخريا. مع إننا نعلم انه في فكره وحسب إرشاد الروح القدس كان فوق ديانة الفرائض الطقوس والعادات. ولكنه تنازل بالنعمة لمجاراة قوم في عوائدهم.) ] [3] . هذا هو التبرير الصحيح إن بولس كان يتعامل مع كل شخص وفقا لما يرغب وليس وفقا لإيمان بولس فهو واضع مبادئ الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة) . واستخدم هذا المبدأ طوال حياته وطالما هناك كنيسة أورشليم [وفي سنة 51م حين زار بولس أورشليم للمرة الثانية يصف يعقوب بأنه معتبر من أعمدة الكنيسة ويذكر اسمه قبل صفا ويوحنا (غل 2: 9) . وأخيرا فإنه حوالي سنة 58م زاره بولس زيارة خاصة أمام جميع المشايخ (وفي الغد دخل بولس معنا إلى يعقوب وحضر جميع المشايخ) (اع 21: 8) . فيتضح من هذه الشواهد إن يعقوب اخذ مركزا بين الرسل رفقائه بالغا حد الاعتبار, وكان مركزه في كنيسة أورشليم لا يجاريه فيه احد آخر. على أن تعلقه باليهودية كان شديدا, ويظهر أن تقدمه في المسيحية كان بطيئا وتدريجيا. وكان هو وبولس على طرفي نقيض, كما كان بطرس أشبه بحلقة اتصال بينهما] [4] .
لم يفلح لبولس هذه المرة المهادنة أو النفاق مع كنيسة أورشليم فالكنيسة أصبحت مختلفة مع يعقوب ولم تعد تقبل الحلول الوسط وكذلك بولس الذي تغير وضعه وانتشرت أفكاره ولم يعد بالإمكان إخفائها وإخفاء أثرها على أتباعه (كان المسيحيون الذين اتبعوا بولس يؤمنون، مثل أفراد طائفة قمران, أن الله يقيم على الأرض في صحبة المؤمنين, وكانوا قد بدأوا, مثل غيرهم من الشعب في الفترة الأخيرة من العصر القديم, يتجاوزون المعبد الأرضي ويشعرون أنهم بدأوا يدخلون الحقيقة الروحية - وأورشليم السماوية - التي ترمز لها. ولكن اليهود الذين كانوا ما يزالون يعتقدون أن المعبد القائم على جبل صهيون يوفر اصدق وسيلة للوصول إلى الله, رأوا في ذلك تجديفا ومروقا عن الدين, وشعروا بأن في وجود بولس نفسه في المعبد عام 58م خطرا يتهددهم, وكان مصيره مثل مصير يسوع واستفانوس من قبله, هو فقدان حريته, ثم فقدان حياته آخر الأمر, لأنه عرّض قداسة صهيون للخطر] [5] .
أما تفاصيل تلك الحادثة فهى [ولما وصلنا إلى أورشليم قبلنا الأخوة بفرح. وفي الغد دخل بولس معنا إلى يعقوب وحضر جميع المشايخ. فبعد ما سلم عليهم طفق يحدثهم شيئا فشيئا بكل ما فعله الله بين الأمم بواسطة خدمته. فلما سمعوا كانوا يمجدون الرب. وقالوا له: أنت ترى أيها الأخ كم يوجد ربوة من اليهود الذين امنوا, وهم جميعا غيورون للناموس. وقد اخبروا عنك انك تعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى, قائلا أن لا يختنوا أولادهم ولا يسلكوا حسب العوائد. فإذًا ماذا يكون؟ لابد على كل حال أن يجتمع الجمهور, لأنهم سيسمعون انك قد جئت. فافعل هذا الذي نقول لك: عندنا أربعة رجال عليهم نذر. خذ هؤلاء وتطهر معهم وانفق عليهم ليحلقوا رؤوسهم فيعلم الجميع أن ليس شيء مما اخبروا عنك, بل تسلك أنت أيضا حافظًا للناموس. وأما من جهة الذين امنوا من الأمم, فأرسلنا نحن إليهم وحكمنا أن لا يحفظوا شيئًا مثل ذلك, سوى أن يحافظوا على أنفسهم مما ذبح للأصنام ومن الدم والمخنوق والزنا. حينئذ اخذ بولس الرجال في الغد, وتطهر معهم ودخل الهيكل مخبرًا بكمال أيام التطهير, إلى أن يقرّب عن كل واحد منهم القربان.
(1) مختصر تاريخ الكنيسة - أندرو ملر.
(2) مختصر تاريخ الكنيسة - أندرو ملر.
(3) مختصر تاريخ الكنيسة - أندرو ملر.
(4) مختصر تاريخ الكنيسة - أندرو ملر.
(5) القدس مدينة واحدة عقائد ثلاث - كارين أرمسترونج.