الصفحة 19 من 372

وقد أحرز المجمع بالنسبة للنقطة الأولى, تقدما كاملا ونهائيا. أما بالنسبة للنقطة الثانية فقد أحرز استقرارا جزئيا ووقتيا. وان كان سفر أعمال الرسل لم يسجل لنا كل ما دار من مناقشات فيما يختص بهذا المجمع, لكننا نعتقد أن مناقشات فردية بين الرسل سبقت وصاحبت انعقاد المجمع الرسمي, الذي اشتركت فيه فئات مختلفة من أعضاء الكنيسة.

في هذه المناقشات الفردية, حل موضوع قانونية رسوليّة بولس (وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرّز به بين الأمم ولكن بالإنفراد على المعتبرين لئلا أكون اسعي وقد سعيت بطلا) (غلاطية 2: 2) . لم يشيروا علية بأية تعديلات في منهج خدمته ولا أعطوه أيّة توجيهات وتوصيات, بل إذ رأوا التوفيق العجيب الذي أحرزه بولس وبرنابا في حقل الكرازة بين الأمم أعطوهم يمين الشركة ليكونا للأمم، وأمّا هم فللختان (غلاطية 8,9) . كل ما هنالك أنهم طلبوا من بولس أن يظهر حبه الأخوي, ويقوي العلاقات بأن يعاون فقراء اليهودية عامة, وأورشليم بوجه خاص, الذين كثيرا ما كانت تحل بهم الاضطهادات والمجاعات. وكان بولس قد عنى قبل ذلك بخدمة المحبة هذه، وقام بها فعلا بفرح وعن إيمان, بالجمع من كنائس الأمم وكان يحمل العطاء بنفسه إلى أورشليم (غل 2: 7 - 10) . هكذا ظهرت روح الآباء السل طيبة نحو بولس وبرنابا, كما ظهر تقديرهم لهما في قرار المجمع النهائي (حبيبينا برنابا وبولس, رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح) (اع 15: 25,26) . أمّا عن الموضوع الرئيسي, الذي انعقد المجمع لأجله وهو موضوع (تهود الأمم) وإلزام الأمم الداخلين إلى الإيمان بحفظ ناموس موسى، فبعد مباحثات كثيرة تكلم بطرس وبعده برنابا وبولس, وأخيرا يعقوب اخو الرب أسقف أورشليم ورئيس المجمع. وانتهى المجمع على القرار الآتي (لا يوضع على المؤمنين ثقل أكثر غير هذه الأشياء الواجبة، الامتناع عما ذبح للأصنام, وعن المخنوق والزنا) (اع 15: 28,29) ] [1] .

لم يكن القول إن مجمع أورشليم هو أول المجامع التي سارت على نهجه بقية المجامع كلام مجازي أو من فراغ بل هو واقع, فما حدث في بقية المجامع كان أساسه في هذا المجمع. فمجمع أورشليم انعقد لبحث مشكلة الشريعة ولكن المصالح المادية اختلطت بالدينية فمن الواضح إن مساعدة كنيسة أورشليم بالمال كان لها تأثير كبير في قراراته فكرس الانقسام بدل من لم الشمل فهو قد أعطى الشرعية لأفكار بولس وقسم الديانة القسمين ما عرف برسل الختان ورسل الأمم وتحلل من الالتزام بالشريعة فأكد على كل عوامل هدم دعوة المسيح. ولكن يبدو إن الأعمدة في كنيسة أورشليم كانوا ينظرون تحت أقدامهم محميين بحداثة الدعوة ومركزية الهيكل غير مدركين التغيرات التي يمكن أن تحدث على المدى الطويل والبعد سواء في الزمان أو المكان عن أورشليم. ولكي نعرف مدى الاطمئنان لدى الأعمدة في كنيسة أورشليم وهى الأعمدة الآيلة للسقوط القريب يجب أن نعرف مكانة كنيسة أورشليم في ذلك الوقت في قلوب أتباع المسيح.

[ (ثمة ظاهرة واضحة ترينا مكانة كنيسة أورشليم بين كنائس عصر الرسل وإحساس المسيحيين خارج أورشليم بحقها عليهم وواجبهم نحوها. تلك هى إرسال التقدمات لفقراء أورشليم من الكنائس المختلفة, يهودية وأممية. لقد اعتنى القديس بولس هذه الأمر, وكان يجمع التقدمات من كنائس الأمم التي أسسها, ويرسلها إلى كنيسة أورشليم. بل هو بنفسه كان يحمل هذه التقدمات، كما حدث في زيارته الثانية لأورشليم حوالي سنة 44م حينما كان يحمل تقدمات كنيسة أنطاكية(اع 11: 30) ] [2] .

اتسمت مرحلة ما بعد مجمع أورشليم بالهدن الغير مستقرة بسبب عدم رضاء كثير من أتباع كنيسة أورشليم بالقرارات التي اعتقد الجميع أنها جاءت ليس لحل المشكلة ولكن لتأجيلها فكانت محاولة لإرضاء جميع الأطراف. وكانت النتيجة هى حالة من النفاق والتربص بين الطرفين طبعت كثير من المواقف في تلك الفترة (كان بطرس قد تكلم حسنا أمام الكنيسة في أورشليم بكل مبادئ الإنجيل الذي كان ينادي به بولس بموجب الإعلان الذي أعطى له, إن الله لم يميز بين الأمم واليهود بشيء, فما نالوه من بركة النجيل ليس اقل على الإطلاق مما ناله اليهود, ولما كان بمفرده في أنطاكية كان يتصرف على أساس هذا المبدأ سالكا بالحرية حسب الحق السماوي واكلا مع الأمم. ولكن لما أتى

(1) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.

(2) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت