نتج عن خروج المسيحية من بيئتها الطبيعية مواجهتها ظروف لم تكن مؤهلة لها. فدعوة المسيح كانت موجهة لليهود فكانت للمسيح عناصر قوة لصالحه أمامهم فهم قوم موحدين لذلك فدعوة المسيح لم تجادل في التوحيد عند اليهود أو تعدله بل أكدته ٍ [فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى انه أجابهم حسنًا, سأله: أيّة وصية هى أوّل الكل؟. فأجابه يسوع: إن أوّل كل الوصايا هى: اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد) (فقال له الكاتب: جيدا يا معلم. بالحق قلت، لأنه الله واحد وليس آخر سواه) (فلما رآه يسوع انه أجاب بعقل، قال له: لست بعيدا عن ملكوت الله) (مرقس 12: 28 - 34) ] . أي أن المسيح حسم الأمر مبكرا وأكد على انه يؤمن بالتوحيد في صورته اليهودية.
وكان ميلاد المسيح بدون أب أيضا مثار قوة له فهناك الكثير من النبؤات في العهد القديم التي تؤكد وفقا لإيمان اليهود إن من علامات ودلائل المسيح انه يولد من غير أب وكثرها وضوحا [ولكن يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه (عمانوئيل) (أشعيا 7: 14) ] .
وبعد الإيمان بالمسيح وتعاليمه لازال أصحاب الدعوة متناغمين مع الوسط المحيط بهم كما كان في كنيسة أورشليم وذلك لان المسيح لم يأتي بديانة جديدة بت هى اقرب إلى الحركة التصحيحية لعقيدة بني إسرائيل. فالمسيح أكد (لا تظنوا إني جئت لانقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لانقض بل لأكمل. فاني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحدا النقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل. فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى اصغر في ملكوت السماوات. وأما من عمل وعلم, فهذا يدعى عظيما في ملكوت السماوات. فاني أقول لكم: أنكم إن لم يزد بركم علة الكتبة ولا فريسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات) (متى 5: 17 - 20) .
وبخروج المسيحية إلى العالم الخارجي, عالم الأمم بعيدا عن بيئتها تحولت عناصر القوة تلك إلى عناصر ضعف. فالتلاميذ ليس لديهم الصيد الفكري الجدلي لكي يواجهوا ويردوا على تساؤلات الوثنيين عن الله, فكل الأناجيل ناقشت فكرة النفاق في العبادة أو بتعبير آخر الخلاف حول أيهما أولى شكل العبادة أم روح العبادة. كما أن بولس الرسول كان عليه أن يبرر لماذا ولد المسيح بغير أب للوثنيين: فإذا كان بالإمكان الدعوة للإيمان بالله لأنه أمر فطري الإيمان بوجود خالق فقد لاقى صعوبة كبيرة في شرح سبب ولادة المسيح من غير أب (ولمّا سمعوا بالقيامة من الأموات كان البعض يستهزئون, والبعض ويقولون: سنسمع منك عن هذا أيضا) (اع 17: 32) . وحتى في أفضل الظروف والنتائج فان الوثنيين الذين امنوا بالله والمسيح المولود بغير أب, هل سيقدرون أن يختزلوا مئات السنين من التزام اليهود بالشريعة ويزيدون عليها أيضا تعاليم المسيح. كانت تلك أهم النتائج السلبية لدعوى الأمم وهى النتائج التي سوف تضع أمام أتباع المسيح العراقيل والمشاكل التي يتعين عليهم حلها وبدأت أولا بمعضلة تطبيق الأمم لشريعة موسى وطقوسها.
لكل هذه الأسباب وقبل أن يتسع الخرق ويتجذّر الخلاف مابين فكر بولس وفكر كنيسة أورشليم وقبل لن ينسحب البساط من تحت أقدام (الأعمدة) وتترك العقيدة نهبا لكل من يريد أن يضيف أو يعدل, وبسبب بداية ظهور نتائج دخول الأمم إلى الكنيسة وما ترتب عليه من مشكلات كان لابد من حل, وكان الحل هو عقد أول مجمع من مجامع الكنيسة والتي تحولت بعد ذلك إلى سنّة ومنهج. كان مجمع أورشليم محاولة لإعادة ترتيب الأوراق والانضباط ولتستعيد كنيسة أورشليم السيطرة قبل أن تفلت الخيوط من أيديها فهل نجح في ذلك؟
[عقد هذا المجمع سنة 50, 51م. كان أول مجمع كنسي يعقد ويعتبر نواة للمجامع الكنسية التي عقدت بعده وان اختلف عنها كثيرا. كانت مهمة المجمع مزدوجة:
أولا: تقرير العلاقة الشخصية بين رسل الختان والأمم، وتقسيم حقول الكرازة بينهم.
وثانيا: حسم موضوع الختان, وتقرر العلاقة بين المتنصرين من اليهود والأمم.