كانت إعادة تفسير بولس لسنن الدين تتضمن تنقيحا مذهلا, وقد تقبلها الناس في الشتات ليس بسبب إمكان إثبات صحتها عقلانيا, وليس لأنها كانت تتسق مع الحقائق التاريخية عن حياة يسوع وموته, ولكن جاذبية نظرة بولس إلى يسوع كانت ترجع إلى تناغمها تناغما عميقا مع التطورات الدينية الأخرى في العالم اليوناني الروماني في تلك الفترة) [1] .
كانت أفكار بولس بداية من ادعائه أن المسيح ابن الله وباقي الأفكار لها تأثير مذهل على كنيسة أنطاكية فهى توجد الحلول لمعوقات دخول الأمم للكنيسة والتي بدأت بالظهور فكان أن بدأ التغيير والمنعطف الأهم في الكنيسة[كان المسيحيون آنذاك قد بدأوا الانتقال من مرحلة المعيد الى الرجل المقدس. وحلت محل طقوس الحج والتطهير القديمة, طقوس مسيحية جديدة تتمثل في اعتناق الدين ومراسم الدخول فيه, والتوحد مع يسوع الإنسان الذي اكتسب منزلة مقدسة عندما رفعه الله من الموتى. وهكذا يتجه بولس إلى تعليم المسيحيين إن يسوع هو مركز الخلاص, وانه سوف يخلصهم لا من العماءة الأولى بل من قوى الخطيئة والموت، وهى القوى الشيطانية.
وبدا أن هذا القول يتضمن التجديف للدين لكثير من اليهود و (الأعمدة) وأتباعهم في أورشليم, الذين هالهم واجزعهم أن يشعروا بالقداسة في مجرد إنسان] [2] .
كان تأثير أفكار بولس على كنيسة أنطاكية متوقعا ويفرضه الواقع فبعد السماح للأمم بالدخول في الكنيسة هناك واقع جديد يفرض فكر جديد، والفكر الجديد أصبح يفرض تغير في سلوك وحركة الكنيسة. والتغير في السلوك والحركة أدى إلى نتائج جديدة في جزء منها نتائج ايجابية وفي جزء آخر نتائج سلبية. أما النتائج الايجابية[منذ هذه اللحظة أصبحت المسيحية لا تضرب بجذورها في مكان معين. ولم يعد البطل المسيحي الجديد هو يعقوب الصديق في معبد أورشليم بل بولس الرحالة, الذي لا يقيم في مدينة معينة في هذا العالم بل يشار إليه دائما في صورة المسافر. ومع ذلك فقد كان الانفصال عن أورشليم مؤلما، ولقد وقع صدام مرير بين بولس والكنيسة الأم بعد أن اكتشف يعقوب أن المسيحيين في أنطاكية لا يأكلون طعام اليهود الخاص، ويختلطون دون قيود مع أبناء الأمم الأخرى. وتوصل الطرفان إلى حل وسط عُين بموجبه بولس مسئولا عن البعثة للأمميين. كان الأنبياء دائما يتطلعون إلى قدوم الأمم الأخرى لإظهار تبجيلهم ليهوه في أورشليم, عندما يحل العهد المسيحي, واستطاع بولس في هذه الآونة أن يبين (للأعمدة) أن أبناء الأمم الأخرى قد بدأت الوصول حقا إلى كنائس يهوه, وقال أنهم ماداموا يتمتعون (بالروح) بصورة لا تقل أبدا عن المسيحيين اليهود، فهل من اللائق أن يصدّهم يعقوب بسبب إصراره على بعض الشروط الغير واقعية الخاصة بالختان ومراعاة التوراة كلها دون نقصان؟.
ووعد بولس بأن يتولى الذين يعتنقون المسيحية على يديه مساعدة فقراء أورشليم, في مقابل استقلاله بالبعثة إلى الأمم الأخرى] [3] .
في غمرة حماسة التلاميذ لمرحلة تجديد الخطاب الديني وانه فتَح الباب للأمم للإيمان بالمسيح وضم الكثير للكنيسة. أثيرت قضية هامة مستمرة حتى الآن وتحدد الفارق بين الإيمان والكفر وهى (هل من حق التابع إن يغير ويعدّل فيما امن به واتبعه أم عليه أن يلتزم به كما هو على إطلاقه؟) . إن بولس ولا ندري بأي سلطة قد تدخل لتغيير المعتقدات والأفكار, فهو لم يتبع تعاليم المسيح ويلتزم بحدودها على إطلاقها أو أن يرفضها على إطلاقها. وهذا فتح الباب لكثير من الفتن. فهو تحدث باسم المسيح والله ونسب إليهم أفكاره وكان من الأولى أن يعبر عن أفكاره وينسبها لنفسه ويكون هو المسئول عنها مثل كثير من الزعماء الدينيين الذين عاصروا هذه الفترة. فإذا لم يستطع أن يقنع بها احد أو يحمي هذه الأفكار بالقوة أو إذا ظهر خطأ هذه الأفكار تكون النتيجة محسوبة عليه. أما إذا نسب أفكاره إلى الله فهو ينسب إلى الله والمسيح مال يقولوه ويحملهم أخطاء أفكاره البشرية القاصرة وتكون مثار بلبلة في حال تعارض هذه الأفكار مع اليهودية والسلام. فهنا اخطأ بولس مرتين عندما عدل بلا سلطة أو فهم تعاليم المسيح فأخرج هذه التعاليم من بيئتها الطبيعية وما سوف يترتب على الخروج والثاني عندما نسب هذه التعاليم والأفكار إلى الله والمسيح ليضفي عليها قداسة لا تستحقها.
(1) القدس مدينة واحدة عقائد ثلاث - كارين أرمسترونج.
(2) القدس مدينة واحدة عقائد ثلاث - كارين أرمسترونج.
(3) القدس مدينة واحدة عقائد ثلاث - كارين أرمسترونج.