هذه هي الروايات التي سردها بولس بنفسه ويتضح كم الاختلافات والتناقضات بها، ففي الرواية الأولى يقول أن الرجال معه سمعوا صوتا ولم يروا احد وفي الرواية الثنية عكس الوضع فالرجال رأوا نورا ولم يسمعوا الصوت ويتفق في الروايتان إن الصوت قال له: اذهب إلى المدينة وسيقال لك ماذا تفعل. أي أن الصوت لم يبلغه بشيء أثناء الرؤيا وهو ما ذكره بولس في الرواية الثانية أن المسيح أثناء الرؤية أخرى في الهيكل طلب منه أن يخرج من أورشليم وانه سيرسله إلى الأمم بالإنجيل وفي الرواية الثالثة أن الصوت في أثناء رؤيته في الطريق إلى أورشليم حمّله الدعوة إلى الأمم حتى يفتح أعينهم ويخرجهم من الظلمات إلى نور حتى يكون لهم نصيبا مع القديسين. وهكذا لم تتفق الروايات في شيء رغم أنها من مصدر واحد هو بولس نفسه الذي وقعت له الحادثة مم يلقي بالشكوك عليها من الأساس وتعود لأسباب نجهلها (ليس في وسع احد أن يعرف العوامل التي أحدثت هذه التجربة وما أعقبها من انقلاب أساسي في طبيعة الرجل. ولعل ما قاساه من التعب في سفره الشاق الطويل في شمس الصحراء اللافحة, أو لعل ومضة برق في السماء ناشئة من شدة الحرارة, لعل شيئا من هذه أو ذاك كله قد اثر في جسم ضعيف ربما كان مصابا بالصرع, وفي عقله يعذبه الشك و الإجرام، فدفع بالعملية التي كانت تجري في عقله الباطن إلى غايتها، وأصبح ذلك المنّكر الشديد الانفعال أقدر الداعين إلى مسيح استفانوس) [1] . أي إن ما حدث لبولس قد يكون نوع من الهلاوس الذهنية والعقلية وقد يكون نوعا من الاندساس على التلاميذ والذي جعلهم يشكّون فيه (ولما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ وكان الجميع يخافونه غير مصدقين انه تلميذ) (اع 9: 26) . ويبدو أن هذا الشك استمر لبعض الوقت حتى (عفا عنه بطرس، واتخذه صديقا له، وعاش معه فترو من الزمان. وكان معظم الرسل يرتابون فيه، ولكن برنابا، وهو مهتد حديث، رحب به وقدم له كثير من المعونة) [2] .
الغريب أن بولس يدّعي أن المسيح جعله يذهب بالدعوة إلى الأمم وهو كلام مخالف للواقع فإيمان بولس كان قبل زمان من قيام بطرس بفتح الباب أمام الأمم برؤيته الشهيرة أي أن بولس التزم بالدعوة إلى اليهود وظل الأمر كذلك حتى حدث الاضطهاد بعد واقعة استفانوس وإنشاء كنيسة أنطاكية على أيدي التلاميذ الفارين ثم ذهاب برنابا أولا إلى أنطاكية ومن ثم بعد النجاح طلب من بولس أن يساعده أي أن بولس منذ إيمانه حتى مجمع أورشليم لم يكن مميزا في شيء يجعله يدّعي أن المسيح أوكل له بمهمة دعوة الأمم فهذا لم يتحقق إلا في مجمع أورشليم الذي أعطى بولس هذا اللقب انه رسول الأمم. ولكن يبدو أن هذا كله لا قيمة له بل الأهم هو ما اعتقده بولس في نفسه فبدا يتصرف من منطلق قناعاته انه رسول من المسيح مباشرة وتلميذ له من الأفضلية انه تلقى رسالته من المسيح مباشرة وعلى هذا الفهم والإيمان تعامل مع الجميع. [وحالما اعتمد بولس وتقوى اخذ يجاهر بالاعتراف بالرب يسوع, ويكرّز في المجامع بان هذا هو ابن الله. وهذه الكرازة كانت جديدة, لان بطرس كرز به مرتفعا عن يمين الله, وانه تعين ربا ومسيحا. أما بولس فارتقى على سلم الكرازة مناديا (أن المسيح هو ابن الله) ] [3] .
كانت هذه بداية بولس والتي تنذر بما سوف يفعله بعد ذلك في المسيحية وساعده على ذلك انتقاله إلى أنطاكية وموائمة أفكار كنيستها وبعدها عن الوضوح الصارم في التعاليم والأفكار التي أرساها المسيح في كنيسة أورشليم. كل هذه العوامل أعطت لبولس الحرية أن يروج لأفكاره الخاصة ورؤيته المستقلة لتعاليم المسيح (أصبح بولس يعتقد بعد الرؤيا التي رآها في طريقه إلى دمشق أن يسوع قد حل محل التوراة باعتباره التجلي الأول لله في العالم, إذا كانت وفاة يسوع وبعثه يمثلان فاتحة مرحلة جديدة في تاريخ الخلاص، إذ أصبح من الممكن ألان لليهودي وغير اليهودي الدخول على حد سواء في إسرائيل الجديدة عن طريق طقوس التعميد التأهيلية, والتي تستطيع إدماج كل منهما على حد سواء على المستوى الروحي في المسيح. ولم تكن من ثم حاجة بالمسيحيين إلى مراعاة قوانين الطعام، أو إلى الانفصال عن الأمم الأخرى, أو إلى ممارسة الختان لان هذه جميعا كانت من سمات العهد القديم الذي تجاوزه الزمن، بعد أن أصبح كل من يعيش(في المسيح) من أبناء الرب وأطفال إبراهيم مهما تكن أصولهم العرقية.
(1) القيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.
(2) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.
(3) مختصر تاريخ الكنيسة - أندرو ملر.