الصفحة 15 من 372

متجاورين في الوقت الذي ظل اليهود أوفياء لعاداتهم اليهودية وناموسهم الذي كان يمنعهم من الأكل مع غير اليهود، كما مع الوثنيين المتنصرين. كانت هذه هي المشكلة التي واجهت بطرس الرسول في أنطاكية وبسببها قاومه بولس الرسول واتهمه بالرياء (غلاطية 2: 11 - 14) ] [1] .

هكذا تتجمع الأعاصير من نقاط من الماء ونسمات من الهواء. فهل كان يعلم أتباع الديانة الجديدة في غمرة فرحهم أنهم سوف يفاجئون بأن ما يعتقدونه انتصارا للديانة الجديدة هو نفسه ما سوف يقضي عليها. فبعد أن ألقوا الوقود على الأرض لم يتبقى إلا إلقاء الشعلة وهى لم تتأخر كثيرا.

(التحق بالمسيحيين في أنطاكية في نحو عام 40م يهودي من يهود الشتات، كان أول الأمر يبدي التعصب في معارضة الحركة المسيحية, ولكنه اعتنق الدين الجديد على اثر رؤيا قاهرة ليسوع, رآها أثناء سفره إلى مشق لمواصلة اضطهاده الكنيسة هناك, آلا وهو بولس الطرسوسي الذي سرعان ما أصبح احد القادة المسيحيين لأنطاكية) [2] .

كانت بداية شاول المسيحية غامضة كما كانت نهايته ولكن ما فعله بالمسيحية لا يمكن أن يكون غامضا. فقصة تحول شاول إلى بولس ومن اليهودية إلى المسيحية يرويها بولس نفسه وانه الوحيد الذي رآها ورغم ذلك فهو لا يتفق في تفاصيل الرواية التي ذكرها في أكثر من موضع مما يثير التساؤلات حول غرابة هذا السرد فكيف يمكن لحادثة تكون تحول رئيسي في مجرى حية إنسان وتغير عقيدته أن لا يتذكر أدق تفاصيلها ولا تكون محفورة في عقله حتى بعد عشرات السنين، فبولس سرد حادثة إيمانه ثلاث مرات لم يتفق حول التفاصيل فياي من المرات الثلاث. ففي الرواية الأولى (في ذهابه حدث انه اقترب إلى دمشق فبغتة ابرق حوله نور من السماء, فسقط على الأرض وسمع صوتا قائلا له: شاول، شاول! لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد؟ فقال الرب: أنا يسوع الذي تضطهده. صعب عليك أن ترفس مناخس. فقال وهو مرتعد ومتحير: يارب ماذا تريد أن افعل؟ فقال له الرب: قم واخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل، وأما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين، يسمعون الصوت ولا ينظرون احد) (اع 9: 3 - 7) .

وفي رواية ثانية (فحدث لي وأنا ذاهب ومتقرب إلى دمشق انه نحو نصف النهار, بغتة ابرق حولي من السماء نور عظيم. فسقطت على الأرض, وسمعت صوتا قائلا لي: شاول, شاول! لماذا تضطهدني؟ فأجبت: من أنت يا سيد؟ فقال لي: أنا يسوع الذي أنت تضطهده والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني. فقلت: ماذا افعل يارب؟ فقال لي الرب: قم واذهب إلي دمشق, وهناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك أن تفعل) (اع 22: 6 - 10) وضيف بولس نفسه (وحدث لي بعدما رجعت إلى أورشليم وكنت أصلي في الهيكل، أني حصلت في غيبة، فرايته قائلًا لي: أسرع! واخرج عاجلا من أورشليم، لأنهم لا يقبلون شهادتك عني فقلت: يارب, هم يعلمون أني كنت احبس واضرب في كل مجمع الذين يؤمنون بك. وحين سفك دم استفانوس شهيدك كنت أنا واقفا وراضيا بقتله, وحافظا ثياب الذين قتلوه. فقال لي: اذهب فإني سأرسلك إلى الأمم بعيدا) (اع 22: 17 - 21) .

ويسرد بولس الرواية الثالثة بنفسه أمام اغريباس (ولما كنت ذاهبا في ذلك إلى دمشق، بسلطان ووصية من رؤساء الكهنة، رأيت في نصف النهار في الطريق, أيها الملك, نورا من السماء أفضل من لمعان الشمس, قد ابرق حولي وحول الذاهبين معي. فلما سقطنا جميعنا على الأرض, سمعت صوتا يكلمني ويقول باللغة العبرانية: شاول شاول! لماذا تضطهدني؟ صعب عليك أن ترفس مناخس فقلت أنا: من أنت يا سيد؟ فقال: أنا يسوع الذي تضطهده ولكن قم وقف على رجليك لأني لهذا ظهرت لك، لانتخبك خادما وشاهدا بما رأيت وبما سأظهر لك به، منقذا إياك من الشعب ومن المم الذين أنا الآن أرسلك إليهم، لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيبا مع المقدسين) (اع 26: 12 - 18) .

(1) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.

(2) القدس مدينة واحدة عقائد ثلاث - كارين أرمسترونج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت