الصفحة 13 من 372

لم يقبل باقي التلاميذ ما فعله بطرس (اع 11: 1 - 3) وكان لابد أن يدافع عن سبب ما فعله فقص عليهم الرؤيا التي رآها (أنا كنت في مدينة يافا أصلي فرأيت في غيبة رؤيا إناء نازلا مثل ملاءة عظيمة مدلّاة بأربعة أطراف من السماء فأتى إلي. فتفرست فيه متأملا، فرأيت دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء. وسمعت صوتا قائلا لي: قم يا بطرس، اذبح وكل. فقلت: كلا يارب! لأنه لم يدخل فمي قط دنس أو نجس. فأجابني صوت ثانية من السماء: ما طهّره الله لا تنجسه أنت. وكان هذا على ثلاث مرات. ثم انتشل الجميع إلى السماء أيضا) (اع 11: 5 - 11) . وكر لهم كيف امن القائد وقومه من غير اليهود. ويبدو أن كلامه اقنع المعارضين [فلما سمعوا ذلك سكتوا وكانوا يمجدون الله قائلين: (إذا أعطى الله الأمم أيضا التوبة للحياة!) (اع 11:18) ] . هنا لابد من وقفة، إن بطرس وفقا لرؤيته التي رآها هو الذي فتح الباب للأمم وليس المسيح الذي قال (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) (متى 15: 24) . وهذا يتناقض مع إنجيل متى الذي قال (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم) (متى 28: 19) . فإذا كان المسيح قد سمح بالدعوة لكل الأمم، فلماذا احتاج الأمر لرؤية بطرس والخلاف مع باقي الرسل قبل معرفتهم بهذه الرؤيا. ويتناقض أيضا مع إدّعاء بولس أن المسيح أرسله إلى الأمم فبولس امن بالمسيح قبل أن يفتح بطرس الباب للأمم (اع 9: 1 - 29) وقبل نشوء كنيسة أنطاكية التي جمعت اليهود والأمم الوثنية.

قد يرى كثيرين أن ما أقدم عليه بطرس هو أمر ثانوي بقبوله إيمان كرينولس وفتح الكنيسة للأمم وهذا هو الخطأ الشائع الذي يتم الوقوع دائما فيه. قد يكون بطرس فعل شيئا ثانوي في حد ذاته بدون تدخل عوامل أخرى ولكن بتجمع أجزاء ثانوية معا يحدث تغيير جذري. مثال ذلك فان الرمل والاسمنت والزلط كل منهم لا يمثل تأثير في حد ذاته ولكن إذا اجتمعت جميعا وأضيف إليهم الماء صار الجميع كتلة خراسانية هي عماد وأساس المنازل. هذا ما حدث مع بطرس ففعلته بمفردها لا تمثل تأثير ولكن مع ما سوف يضاف إليها من عوامل أخرى، بدأت برجم اسطفانوس وتشتت التلاميذ ونشوء كنيسة أنطاكية كأول كنيسة تقوم على ما سمح به بطرس من دخول الأمم إلى الكنيسة، تحول مسار الكنيسة بشكل جذري, فهو لم يكن يعلم انه بفعلته هذه كان يدق أول مسمار في نعش كنيسة أورشليم فهو قد مهد الأرض وجاءت كنيسة أنطاكية فصبت الوقود عليها انتظارا لمجئ بولس ليشعلها.

تراوحت العلاقة بين الهيكل وأتباع الديانة الجديدة بين الرفض والقبول. فبعد الرفض في بادئ الأمر وتهديد الرسل (اع4) وصلت العلاقة لحالة من الاستقرار بعد تدخل الحكماء (فقام في المجمع رجل فريسي اسمه غمالائيل، معلم للناموس مكرم عند جميع الشعب) (اع 5: 34) ونصح اليهود (والآن أقول لكم: تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم! لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسف ينتقض. وان كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه، لئلا توجدوا محاربين لله أيضا) (اع 5: 38 - 40) . قبل اليهود النصيحة وسارت الأمور مستقرة إلى حين (ظل رؤساء اليهود فترة من الزمن لا يعارضون قيام هذه الشيعة لصغرها وانتفاء الأذى من وجودها, فلما تضاعف عدد(الناصريين) في بضع سنين قلائل وقفز عددهم من 120 إلى 8000 استولى الرعب على قلب الكهنة) [1] . وكان الصدام محتوما ومن الغريب أن الصدام وقع ليس بسبب الخلاف العقائدي بين المسيحية واليهودية ولكن بسبب خلاف داخلي يهودي [ولكن يبدو إن صداما وقع في نحو عام 36 للميلاد بين بعض أعضاء حركة يسوع وبين رجال التيار الرئيسي لليهودية بشان المعبد. إذ كان يقيم في أورشليم بعض اليهود الذين يتحدثون اليونانية، من أبناء الشتات، ويبدو أنهم كانوا يرون إن ذلك يحرمهم من بعض المزايا بين سكان يهوذا. وكان قائدهم يدعى استفانوس (اع 6, 7 - 60) الذي كان ساح الحديث، وأدت دعوته إلى إيذاء المشاعر إلى حد كبير في المدينة. وعلى نحو ما حدث ليسوع, أحيل إلى المجلس اليهودي الحاكم واتهموه بالإساءة إلى التوراة والمعبد] [2] . دافع استفانوس عن نفسه دفاع هاجم فيه الكهنة ورياءهم, فأعاد ذكريات المسيح عند الكهنة (فلما سمعوا هذا حنقوا بقلوبهم وصروا بأسنانهم عليه. وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائما عن يمين الله. فقال: ها أنا انظر السماوات مفتوحة، وابن الإنسان قائما عن يمين الله". فصاحوا بصوت عظيم وسدوا أذانهم وهجموا عليه بنفس واحدة، أخرجوه خارج المدينة ورجموه. والشهود خلعوا ثيابهم عند رجلي شاب يقال له شاول) (اع 7: 54 - 58) .

(وفرّ اليهود المهتدون ذوو الأسماء والثقافة اليونانية الذين يتزعمهم اسطفانوس إلى السامرة وأنطاكية وانشئوا فيها جماعات مسيحية قوية. أما معظم الرسل الذين يبدوا أن سلموا من الاضطهاد لأنهم ظلوا يراعون الناموس، فقد بقوا في أورشليم مع المسيحيين اليهود. وبينما كان

(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

(2) القدس - مدينة واحدة عقائد ثلاث - كارين ارمسترونج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت