الصفحة 11 من 372

ويتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب) (اع 46:2) . لكن ومع ذاك، كانت هذه الكنيسة الناشئة تنمو داخليا وخارجيا على أيدي الرسل وهنا نذكر القديس بطرس الذي كان - بحكم سنّه وخبرته وحماسه الفطري - دور قيادي في تلك الفترة المبكرة من حياة الكيسة. ساعد الرسل عدد من الكهنة القوس وسبعة شمامسة للعناية بالفقراء والمرضى, وكان روح الله يعمل- لا في الرسل وحدهم بل في جميع التلاميذ أي المؤمنين فقفز عدد المؤمنين من ثلاثة ألاف إلى خمسة ألاف (اع 4:4) . أما عوامل النجاح فكانت الكرازة بالإنجيل وعمل المعجزات باسم الرب يسوع وحياة المؤمنين العجيبة في إيمانها وحبها وكل فضيلة. كان المؤمنين بقيادة الرسل يصعدون إلى الهيكل للعبادة كما كان يفعل معلمهم, أما اجتماعات العبادة الخاصة فعقدوها في البيوت (اع 42:5, 46:2) . كما واظبوا على تناول عشاء الرب, وفي ذلك كان يجمعه إحساس بأنهم جماعة واحدة وأعضاء جسد واحد رأسه المسيح. وقد لازموا الهيكل وعبادته, وتمموا الناموس القديم, بقدر ما سمحت لهم حياتهم الجديدة وإيمانهم الجديد. وعظات القديس بطرس للشعب امتازت بالبساطة والإقناع أما خطبه أمام السنهدرين فلم تكن دفاعية بقدر ما كانت تبشيرية ومفعمة حماسا وغيرة وقوة وإقناعا وحكمة ولاشك أن ذلك كله كان من عمل روح الله الذي جعل من التلميذ الرعديد, شاهدا صنديدا يشهد أمام مجلس اليهود الأعلى ويقول (إن كان حقا أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فأحكموا لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا. ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس) (اع 29:5،20،19:4) . هكذا كانت يد الله القوية واضحة في الخدمة فكان (مؤمنون ينضمون للرب أكثر, جماهير من رجال ونساء) (اع 14:5) . وكانت (كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدا في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان) (اع 7:6) . كان الرب هو العامل فيهم وبهم, وهكذا (كان الرب كل يوم يضم على الكنيسة الذين يخلصون) (اع 47:2) . أما نتيجة هذا التوفيق والنجاح في الخدمة فكانت سلسلة طويلة ومريرة من المؤامرات والاضطهادات مرت بها الكنيسة والمؤمنون) [1] .

كان الحال مع الدعوة خارج أورشليم يسير بنفس منهج كنيسة أورشليم (بعد تأسيس الكنيسة المسيحية في يوم الخمسين, اتجهت جهود الرسل الكرازة - كما ذكرنا - إلى تبشير اليهود أولا, وعلى الأخص في أورشليم. فقد كان لزاما عليهم أن يشهدوا الرب أولا أمام إخوتهم وفي معقل اليهودية ذاتها ويعملوا فيها علانية.

وبعد تأسيس كنيسة أورشليم تأسست كنائس في اليهودية والجليل و السامرة وعلى شاطئ البحر المتوسط. وقد يظن البعض إن الرسل عقب تأسيس الكنيسة مباشرة ومابين عشية وضحاها انطلقوا إلى أقاصي المسكونة ليبشروها. لكن الواقع غير ذلك فقد ظلت جهود الرسل والتلاميذ محصورة في نطاق بلاد اليهودية لمدة اثني عشر سنة تقريبًا وكان ذلك إتمام لوصية الرب لهم قبيل صعوده (تكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية و السامرة والى أقصى الأرض) (اع8:1) . وحكمة الرب واضحة في ذلك، فهو يريدهم أن يسيروا وفق سنن الطبيعة فيبدءون بالخدمة في الحقول الصغيرة كمقدمة لحقل العالم الواسع ويتدرجون من السهل إلى الأصعب والأعقد. وهكذا, فانه بفضل هذه الخطة الإلهية الحكيمة استطاعت المسيحية أن تنتشر انتشارا ملحوظا في خلال الخمسة عشر عام الأولى. لكن ينبغي ألا نكون مبالغين في تقديرنا لاتساع دائرة الإيمان سواء من ناحية الأماكن التي وصلت إليها الكرازة وناحية أتباع الديانة الجديدة. والواقع إن المسيحية شقت طريقها بصعوبة إلى العالم اليهودي خارج أورشليم) [2] .

[وإذا كان حادث إيمان شاول الطرسوسي قد وقع حوالي سنة 37م فمعنى ذلك انه كانت قد تأسست في دمشق جماعة مسيحية قبل ذلك التاريخ. لان الرؤيا التي ظهرت لشاول قرب دمشق, كانت وهو في طريقه للانتقام من هذه الجماعة المسيحية. وهؤلاء المسيحيون لابد وإنهم كانوا يهود قبل إيمانهم وإلا لما وقعوا في دائرة اختصاص رئيس كهنة اليهود في أورشليم, الذي زود شاول برسائل من اجلهم. وأيضا لان بشرى الخلاص - حتى ذلك الوقت - كانت لا تعرض إلا لليهود فقط (اع 19:11) . كان المسيحيون وقتئذ يدعون (رجال الطريق) (اع2:9) وهو اصطلاح يهودي خالص, للتعبير عن شيعة جديدة. كما أن حنانيا الذي أعلن له الرب عن اهتداء شاول, وهو الذي عمّده كان أسقفا على دمشق, ويذكره سفر الأعمال بأنه رجل تقي حسب الناموس ومشهود له من جميع اليهود السكان فيها) (اع12:22) ] [3] .

(1) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.

(2) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.

(3) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت