138.قوله (هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة) : في مسلم عن أبي بردة عن أبيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو مرفوع عند مسلم, ورجح الدار قطني أنه من قول أبي بردة, لكن الصواب مع مسلم رحمه الله تعالى, ولذا رجح كثير من أهل العلم هذا الوقت لساعة الاستجابة, حتى قال القرطبي أنه نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره, وقال النووي هو الصحيح بل الصواب, لأنه ثابت في مسلم ومرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
139.لكن جاء في حديث عبد الله بن سلاَم عند ابن ماجه وهو صحيح وفي حديث جابر عند أبي داود والنسائي وهو أيضًا صحيح معتضد بما قبله أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس, لكن لا يعارَض هذا بما جاء في صحيح مسلم ولو كان مما اختُلِف فيه لأن صحيح مسلم تلقته الأمة بالقبول.
140.هذا الاختلاف يؤيد قول من يقول إنها متنقلة مثل ليلة القدر, فأحيانًا تكون من بين دخول الإمام وصعوده على المنبر إلى أن تقضى الصلاة, وأحيانًا تكون من صلاة العصر إلى غروب الشمس, ولا شك أن عصر الجمعة له مزية فينبغي أن يغتنم بالدعاء, لأن الحديث صحيح لا إشكال فيه.
141.يقول ابن حجر: وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولًا. والأقوال في تحديد ليلة القدر قريبة من خمسين قولًا. وعلى كل حال أقواها ما ذُكِر, إما من صعود الإمام على المنبر إلى الفراغ من الصلاة, أو من صلاة العصر إلى غروب الشمس.
142.قول الحافظ (أمليتها في شرح البخاري) : معروف أن الحافظ أملى كتابه إملاءً, وكان يستفيد من بعض طلابه النابهين, يحضِّرون له بعض المسائل فينظر فيها نظرًا دقيقًا ويراجع أصولها ويسبكها ويصوغها بعبارته ثم يمليها.
143.كيف نوفق بين أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس وبين القول بأن ساعة الإجابة تكون بين صلاة العصر وبين المغرب مع قوله (وهو قائم يصلي) ؟ أجاب عن هذا الإشكال بعض الصحابة ممن اختار هذا الوقت لساعة الإجابة, والجواب هو أن من ينتظر صلاة المغرب فهو في صلاة ما دامت الصلاة تحسبه.
144.من أخر الصلاة عن وقتها عمدًا فالجمهور على أنه يجب عليه قضاءها, ونُقِلَ الإجماع على ذلك, وإن نقل ابن حزم الإجماع على خلافه, فهذه من المسائل التي نقل فيها الاتفاق على القولين المتضادين, وعلى كل حال عامة أهل العلم على أنه يلزمه القضاء, وأما وصية أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب بقوله (إن لله حقًا بالليل لا يقبله بالنهار, وحقًا بالنهار لا يقبله بالليل) فمعروف أن نفي القبول يرد ويراد به نفي الصحة كما في الحديث (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) و (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) كما أنه يرد ويراد به نفي الثواب المرتب على العبادة كما في قوله جل وعلا (إنما يتقبل الله من المتقين) .
145.المعيَّن من المسلمين لا يجوز لعنه ولو جاء النص بلعن جنسه (لعن الله السارق) , لأنه لعن جنس من يشرب الخمر ثم جيء بشارب الخمر فقال بعضهم (لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به) فقال عليه الصلاة والسلام (لا تكن عونًا للشيطان على أخيك) . وجاء في المتبرجات (فالعنوهن) يعني جنس المتبرجات, ويُلحَق بالجنس - وإن كانت المسألة تحتاج إلى نظر - إذا كانت فئة معينة اتصفت بهذا الوصف, كما لو قيل: انتشر التبرج في العرس الفلاني, فهذا ينتابه الجنس والتعيين, فالمرأة الواحدة المتبرجة معينة, وعموم المتبرجات جاء جواز لعنهن (العنوهن فإنهن ملعونات) , لكن يبقى أنه لو تبرج مجموعة في عرس مثلًا فهن من حيث التعيين والانحصار في هذا الجمع معينات, لكنه لا يقصد بذلك واحدة بعينها وإنما يقصد الجنس. وعمومًا ليس المؤمن باللعان ولا بالطعان ولا بالفاحش البذيء, وقال عبد الله بن أحمد لأبيه كما في الأحكام السلطانية: ما تقول في يزيد الذي استباح المدينة وأهان الصحابة وقتل بعضهم, فتكلم فيه بكلام شديد, قال له عبد الله: لماذا لا تلعنه؟ قال: وهل رأيت أباك لعانًا؟!! وهذا بالنسبة لمن في دائرة الإسلام, وتبقى مسألة الكافر المعين: جاء في قنوته عليه الصلاة والسلام (اللهم العن فلانًا وفلانًا) ثم نزل قوله جل وعلا (ليس لك من الأمر شيء) , ولعن الكافر المعين مسألة خلافية بين أهل العلم, لا سيما من اعتدى وظلم المسلمين عند جمع من أهل العلم من أهل التحقيق المتجه جوازه.
146.المحبة أمر قلبي, لا يجوز أن يميل القلب ويحب الكفار ولو واحدًا منهم مهما كان أثره على المسلم, لكن المكافأة مطلوبة, والتأليف أيضًا باب معروف في الشرع, فيصرف للكافر من الزكاة التي هي ركن الإسلام لتأليف قلبه, ومسألة التأليف غير الميل القلبي والحب والمودة, قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) , وأيضًا