فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 463

تَعَدُّدَ الاستحضار لا يوجبُ تعدُّدَ الشّيء المُسْتَحْضَر، لا بالزمان، ولا بالمكان، ولا بالأذهان، كما في استحضار المُحَسِّ متكرِّرًا أو رُؤيَتِهِ، وأنّه لو صَحَّ هذا الوجهُ لم يبقَ شيءٌ من المعقولاتِ ولا الإسلام؛ لأنَّ الإلهَ في ذهن شخصٍ حينئذٍ غيرُهُ في ذهنِ آخَرَ، وكذا الصّلاةُ والصّومُ، والإيمانُ والإسلامُ، وسائرُ الأحكام؛ لأنَّ المعقودَ عليها في أوَّلِ زمانٍ غيرُهُ في الزّمان الثّاني، وكذا العاقِدُ [1] .

وتَبَنّى هذا الرأيَ من المعاصرينَ عبدُ الرّحمن أيّوب؛ فَقَد اتَّهَمَ النّحاةَ بمحاولة التّفريقِ بين عَلَم الجنس واسم الجنس بفروض فلسفيّة مغالية ليست لها أية قيمة لغويّة؛ فلا فَرْقَ دلاليًّا - عنده - بينَهما؛ فكلاهما يدلّ على حقيقةٍ تتمثَّلُ في أي فرد من أفراد النّوع. والذي يفرق بينهما - عنده - هو الاستعمالاتُ اللّغويّة فقط، وهي الوحيدة الجديرة بالاعتبار. ويتمثّل هذا في معاملة العرب عَلَمَ الجنس معاملةَ المعرفة، على حين عُومِلَ اسمُ الجنس معاملةَ النّكرة [2] ، ويتجلّى ما أشارَ إليه عبد الرّحمن أيّوب في الصُّوَر النَّحْويَّة التي سَبَقَ نَقْلُها عن الشّوشاويّ.

-اسم الإشارة:-

ج. الفرق بين: (ذا) ، و (ذاك) ، و (ذلك) :-

قال القرافيّ: «للإشارة ثلاثةُ أحوال: (ذا) للقريبِ، و (ذاكَ) للمتوسطِ، و (ذلك) للبعيدِ، لكنَّ البُعْدَ والقُرْبَ يكونانِ تارةً بالزّمانِ، وتارةً بالمكانِ، وتارةً بالشَّرَفِ، وتارةً بالاستحالةِ؛ ولذلك قالتْ زُلَيْخا في حَقِّ يوسُفَ - عليه السلام - ...: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} (يوسف: 32) ، إشارةً لبُعْدِه - عليه السّلام - في شرفِ الحُسْنِ. وكذلك القرآنُ الكريمُ لَمّا عَظُمَتْ رُتْبَتُهُ في الشَّرَفِ أُشيرَ إليه بـ (ذلك) [3] ، وقيل: أُشيرَ إليه بـ (ذلك) لبُعْدِ مكانِهِ لأنّه مكتوبٌ في اللّوح المحفوظِ، وقيل: لبُعْدِ زمانِهِ لأنّه وُعِدَ بِهِ في الكتب

(1) ينظر: رسالة في الفرق بين عَلَم الجنسِ واسم الجنس: 134 - 136.

(2) ينظر: دراسات نقدية في النّحو العربيّ: 83 - 84.

(3) يعني قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} (البقرة: 2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت