الصفحة 56 من 76

وكان يمكنه أن يداهن الولاة من باب السياسة ولكنه لم يقبل، لأن في ذلك إضاعةً للدين ، فعُذّب في الله وأوذِي وصبر حتى نصَره الله وأظْهره و أعْلى شأْنه و إمامته في المسلمين . كذلك فإنه لم يسارع في تكفير المعيَّن لا من الحكام ، ولا من غيرهم ، و احتمل لهم التأويل أو الجهل أو نحو ذلك ، رغم الاضطهاد الذي لقيه منهم مع إخوانه العلماء ، حتى بلغ الأمر إلى حد قتْل بعض هؤلاء العلماء ، وذلك لأَن التكفير يحتاج إلى ظهور الكُفْرِ البَوَاح الذي يكون عند الناس فيه من الله برهان لا لَبْس فيه و لا احتمال ، و الخطأ في عدم التكفير أهون بكثير من الخطأ في التكفير ، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ، فإنْ كان كما قال وإلاّ رجعتْ عليه ) رواه مالك و البخاري و مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما . إن كلمة التكفير لايمكن أنْ تذْهب سدى ... لابد أنْ تصيب في كل الأحوال ... لا بد أن تصيب المقُول له أو القائل... و لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم اعتذار حِبِّه و ابن حبه أسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما قال له أحد المشركين وهو تحت السيف: (لا إله إلا الله) ، فقَتَلَه أسامة ، واعتذر للنبي صلى الله عليه و سلم بأن الرجل لا زال كافرا ، وأنه إنما قال ما قال خوفًا من السيف ، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم: ( هلاّ شقَقْتَ عن قلبه حتى تعلم هل قالها أمْ لا؟! ) . وعندما سأله المقداد رضي الله عنه كما في الحديث المتفق عليه: أرأيت إنْ قطع في القتال رجُلٌ من الكفار يدِي ثم لاذَ مِنِّي بشجرة فقال أسلمتُ لله .. أفأقتله بعد ما قالها ؟! . فنهاه الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكرّر السؤال فكرّر النهي و غلّظ . و هذا يدلّ على خطورة التكفير المُتَسَرِّع للشخص المُعَيَّن حتى لو كان المسلم في أشدّ الابتلاء!! .

أَصِحَّاءُ السياسةِ كُلُّ حِصْنٍ ... بَنَى بِالشَّرْعِ مَوْقِعَهُ الَحصِينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت