مصاحبة السلاطين خطيرة جدًا، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الذي رواه الطبراني، وذكر الألباني أنه صحيح: (مَن أتَى أبوابَ السلطانِ افْتَتَن) ... والخطورة واردة على دِين المصاحِب لهم .. بسبب الفتن والضغوط التي يتعرّض لها ، ولا ينجو إلا القلة من الأفذاذ الأقوياء بإيمانهم و دينهم ، وأما الغالبية فإن بهْرج السلطان و أجواء الترغيب والترهيب تجْرفهم ... والسلامة من الوباء في الابتعاد عنه ، والسلامة لا يَعدِلها شيء ... و لا يقتحم مَوَاطن الوباء إلاّ الأطباءالحُذّاق المهَرة ، لضرورة العلاج ، مستعينين بطاقة عظيمة من الاعتماد على الله والتوكل عليه والاستهداء بهدايته ، مع النظر إلى المرضى وإنْ كانوا ذوي مكانة دنْيوية رفيعة نظْرة إشفاق و رثاء و حرْص على دعوتهم وإنقاذهم و ليس نظَر طمع و إعجاب .
وكم مِن قادَةٍ في الدِّين ِفَرُّوا ... بَعِيدًا عن بلاطِ الحاكِمينا
كم من قادة من العلماء القدامى نأوا بأنفسهم عن قصور الحكام وفِتَن السياسة.
بِرَغْمِ الفِقْهِ والتَّقْوَى وقَرْنٍ ... أَنَاخَ بِبَعضِهم في التابِعينا
و بعضهم كانوا من عصر التابعين ...في عصرٍ لا زال فيه التمسُّك بالإسلام متينًا ... ولدى هؤلاء العلماء التقوى والفقه، و مع هذا هربوا من الحكام خوفًا على أنفسهم.
فَلا البَصْرِيُّ والثَّوْرِيُّ أَخْذَى ... ولا النُّعمانُ أَوْشَكَ أَنْ يَلِينا
لم يتزلَّف أحد منهم لحاكمٍ، ولا رغِب في جواره ، ولا ذلَّ ولا استخْذَى ، و لا طلَب الحكْم و الولاية ، بل بعضهم طلبوه لها و مع ذلك هرب منها ، ومن هؤلاء القادة الأئمة: الحسن البصري وسفيان الثوري ، وكذلك النعمان وهو أبو حنيفة ، لم يَكُنْ لَيِّنًا رغم أنهم أرادوا منه أن يكون قاضيًا وضربوه على ذلك فلم يقبل.
ويَزْهَدُ مالِكٌ فيهم ويُؤْذَى ... ويَقْفُو الشافعيُّ الأَوَّلِينا