وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا" [1] ."
يقول الشيخ:"بهذا الحديث وأمثاله تتعلق العامة في نقض بناء الإسلام وهدم أركانه، والتهوين من خطر العمل وآثاره، وهو تعلق باطل مردود. وينقل الشيخ عن أهل العلم أقوالا تقضي بأن هذا محمول على أنه كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد، فلما فرضت الفرائض، وحُدَّت الحدود نسخ ذلك، وينقل رأيا آخر يقضي بأن هذه الإطلاقات مقيدة بنصوص أخرى، وهذا الظاهر ليس هو المراد من الأحاديث لورود مئات من النصوص الأخرى من الكتاب والسنة تربط الإيمان أوثق رباط بأعمال معينة، ومن هذه النصوص التي أوردها الشيخ، وسعى إلى تصحيح مفهوما، حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" [2] ."
فهذا الحديث أحصى أعمالا لم تذكر في حديث النطق بالشهادتين، وهو تفسير لقوله تعالى:"فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". التوبة: 5، وقوله:"فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ". التوبة: 11.
ثم يقول الشيخ: إن النطق بالشهادتين بداية لما بعده من اعتقاد وعمل، لا ما تحسب الأبصار الكليلة والهمم القاصرة من أن مجرد النطق فيه الكفاية والغناء. وحروف هذه الكلمة ـ كلمة التوحيد ـ منافذ تُفْضِي بالإنسان إلى ساحات رحيبة، وآفاق ممتدة يشرب القلب فيها حقيقة التوحيد الخالص كلما سجد لبارئه وبادر إلى مرضاته، ونفر من مساخطه، وأدى الواجب وترك المحرم، وأدرانُ الشرك ليست كلمةً تلوِّث الفم
(1) صحيح البخاري: كتاب العلم. باب: من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا، وتأثما هنا تعني: خوفًا من وقوعه في الإثم بكتمان العلم، بل بكتمان حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.
(2) صحيح البخاري: كتاب الإيمان. باب: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} .