الصفحة 49 من 493

أولًا: أن الزجاج رحمه الله في هذا الموضع فسر المشيئة تفسيرًا جانب الصواب فيه، وهو قول من يرى أن الله لا يخلق أفعال العباد وهو رأي المعتزلة ، ولكنه وقع فيه من غير قصد لهذا المذهب والدليل على ذلك أنه فسر المشيئة تفسيرًا صحيحًا ، وذلك عند قوله تعالى: { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا } [1] حيث قال:"اختلف الناس في تأويل هذه ، فأولى التأويلات باللفظ أن يكون: ما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ، لأنه لا يكون غير ما يشاء الله ، وهذا مذهب أهل السنة ، قال الله عز وجل: { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [2] ، والمشيئة في اللغة بينة لا تحتاج إلى تأويل ، فالمعنى: ما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون الله عز وجل قد سبق في علمه ومشيئته أن نعود فيها، وتصديق ذلك قوله: { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } [3] " [4] .

وهذا دليل واضح على أن ما وقع به كان عن غير قصد ، وهو ما صرح به في هذا الموضع من أن الله تعالى يخلق أفعال العباد ، بل إن الزجاج رحمه الله صرح بهذا تصريحًا لا يقبل التأويل حيث قال بعد ذلك:"وقال قوم: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا: أي فالله لا يشاء الكفر .... قال أبو إسحاق: وهذا خطأ لمخالفته أكثر من ألف موضع في القرآن لا تحتمل تأويلين ، ولا يحدث شيء إلا بمشيئته وعلمه [5] ".

ثانيًا: كيف يكون الزجاج معتزليًا وهو الذي خالف المعتزلة في مواضع كثيرة من كتابه وقرر مذهب أهل السنة ، ومن ذلك على سبيل المثال ما أورده عند قوله تعالى:

(1) ... سورة الأعراف: 89 .

(2) ... سورة التكوير: 29 .

(3) ... سورة الأعراف: 89 .

(4) ... معاني القرآن وإعرابه 2/355-356 .

(5) ... معاني القرآن وإعرابه 2/356 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت