ومن تقريره أيضًا لمذهب السلف في الصفات ما ورد عند قوله تعالى { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) } [1] ، حيث قال:"وتقرأ عجبت - بضم التاء - ومعناه في الفتح: بل عجبت يا محمد من نزول الوحي عليك ويسخرون ، ويجوز أن يكون معناه ، بل عجبت من إنكارهم البعث ، ومن قرأ"عجبتُ"فهو إخبار عن الله ، وقد أنكر قوم هذه القراءة ، وقالوا الله عز وجل لا يعجب ، وإنكارهم هذا غلط ؛ لأن القراءة والرواية كثيرة [2] ، والعجب من الله عز وجل خلافه من الآدميين ، وأصل العجب في اللغة: أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ، ويقل مثله قال: عجبت من كذا وكذا ، وكذا إذا فعل الآدميون ما ينكره الله جاز أن يقول فيه: عجبتُ ، والله قد علم الشيء قبل كونه ، ولكن الإنكار إنما يقع والعجب الذي يلزم به الحجة عند وقوع الشيء" [3] .
ويقرر الزجاج أيضًا مذهب أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية فيقول عند قوله تعالى: { يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [4] أي: يخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور الهدى لأن أمر الضلالة مظلم غير بين ، وأمر الهدى واضح كبيان النور ، وقد قال قوم: يحكم لهم بأنهم خارجون من الظلمات إلى النور ، وهذا ليس قول أهل التفسير ، ولا قول أكثر أهل اللغة م إنما قاله الأخفش وحده، والدليل على أنه يزيدهم هدى ماذكرناه من الآية ، وقوله عز وجل: { فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } [5] " [6] ."
اتهام الزجاج بالاعتزال:
(1) ... الصافات: 12 .
(2) ... القراءتان متواترتان كما قال الزجاج: فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف بضم التاء في"عجبت"،وقرأ الباقون بفتحها ، (النشر في القراءات العشر 2/267) .
(3) ... معاني القرآن وإعرابه 4/299-300 .
(4) ... سورة البقرة: 257 .
(5) ... سورة التوبة: 124 .
(6) ... معاني القرآن وإعرابه 1/339-340 .