الصفحة 29 من 493

نشأ أبو إسحاق الزجاج في بغداد ، وكان ينزل بالجانب الغربي منها في الموضع المعروف بالدويرة [1] ، وكان يحب بغداد حبًا كثيرًا حتى قال عنها:"بغدادحاضرة الدنيا وما سواها بادية" [2] ، وهذا غاية ما ذكر في كتب التراجم عن محل إقامته ، ويبدو أنه كان ذكيًا فطنًا ، لم يصبه طيش الشباب ، إذ كان جادًا في حياته منذ صباه ، ولذا اشتغل في طلب الرزق وتحصيل العلم في وقت مبكر ، فكانت بدايته بخراطة الزجاج كما قال عن نفسه:"كنت أخرط الزجاج فاشتهيت النحو فلزمت المبرد لتعلمه" [3] ، ويبدو أنه كان يخرط الزجاج وعمره ما بين الخامسة عشرة إلى السادسة عشرة ، لأنه لم يلزم المبرد إلا في السابعة عشرة ؛ لأن المبرد - كما سبق - لم يدخل بغداد إلا بعد مقتل المتوكل سنة 247هـ [4] ، واستمر الزجاج في خراطته للزجاج أثناء فترة طلبه للعلم ، وقد كان كسبه في كل يوم درهمًا ودانقين أو درهمًا ونصفًا ، وتشير المصادر إلى أنه كان يدفع للمبرد كل يوم درهمًا جزاء مبالغته في تعليمه ؛ لأن الزجاج اشترط عليه أن يبالغ في تعليمه [5] .

وقد وصل الأمر إلى أبعد من ذلك مما يدل على حرصه الشديد في طلب العلم حيث قال للمبرد:"وأنا أعطيك كل يوم درهمًا ، وأشرط لك أن أعطيك إياه أبدًا، إلى أن يفرق الموت بيننا" [6] ، ولك أن تتصور شابًا في مقتبل العمر لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره ينفق أكثر من نصف كسبه لمعلمه مدى الحياة .

(1) ... معجم الأدباء 1/93 .

(2) ... معجم البلدان لياقوت 1/461 / المستطرف في كل فن مستظرف 2/94.

(3) ... تاريخ بغداد 6/90 .

(4) ... انظر: انباه الرواة 1/249 ، 250 ، معجم الأدباء 5/484 .

(5) ... تاريخ بغداد 6/90 ، معجم الأدباء 1/82 ، 83 .

(6) ... نفس المصدرين السابقين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت