ثانيًا: التشجيع المادي للعلماء وتقريبهم ، حتى إنك تجد من الخلفاء من أغدق عليهم الأموال ، ويمكن أن نأخذ أبا إسحاق الزجاج مثالًا لذلك ، فقد أمر المعتضد (ت289هـ) بتفسير كتاب جامع المنطق ، فدفع إلى الزجاج ففسره ، ثم حمله الوزير القاسم بن عبد اللَّه إلى المعتضد فاستحسنه وأمر له بثلاثمائة دينار [1] .
وقال الذهبي (ت748هـ) :"وكان الزجاج عزيزًا على المعتضد وقد أمر له برزق في الفقهاء ورزق في العلماء ، ورزق في الندماء نحو ثلاثمائة دينار" [2] .
ثالثًا: حركة الترجمة والتي قام الخلفاء بتشجيعها ، فترجمت علوم شتى من فارسية ويونانية وهندية وفي مختلف الفنون من طب وهندسة وفلك وغير ذلك، حتى احتوت هذه الأمة على ثقافات أخرى، ووصل الأمر إلى دفع المترجم ذهبًا، ويكفي أن نذكر ما أهداه المتوكل (ت247 هـ) إلى المترجم المشهور حنين بن إسحاق (ت264هـ) فإنه أهداه ثلاث دور من دوره وحمل إليها كل ما تحتاج إليه من الأثاث الفاخر والكتب ، وجعل له راتبًا شهريًا خمسة عشر ألف درهم ، غير ثلاثة خدم من الروم وما أسبغه على أهله من الأموال والإقطاعات [3] .
ويلاحظ على حركة الترجمة أنها لم تقتصر على الأمور العلمية البحتة كالطب والهندسة ، بل إنها شملت علوم الفلسفة اليونانية والرومانية بما تحمله من وثنية
وغثاء.
رابعًا: الشغف العلمي الشديد مما دفع العلماء إلى الرحلة في طلب العلم ، بل ويدفعون المال الكثير من أجله ، كأن سباقًا نشب بينهم ، فهذا أبو إسحاق الزجاج يتجشم الصعاب ويطلب من المبرد (ت 285هـ) أن يبالغ في تعليمه ، وكان كسبه درهمًا ونصف ، ومع هذا الكسب القليل إلا أنه من أجل العلم شرط أن يعطي المبرد كل يوم درهمًا [4] .
(1) ... معجم الأدباء 1/95 .
(2) ... سير أعلام النبلاء 14/360 ، وانظر: معجم الأدباء 1/95 .
(3) ... انظر: طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة: ص260 وما بعدها .
(4) ... انظر: معجم الأدباء 1/82 .