ولنأخذ مثالًا واحدًا لهذا ؛ جاء في ترجمة خلافة المعتضد (ت289هـ) أنه قام بالأمر قيامًا مرضيًا فقد كثرت الأموال وضبطت الثغور [1] ، ورخصت الأسعار، وكانت أيامه كثيرة الرخاء ، وقد أسقط المكوس [2] ، ثم نجد في بعض ترجمته من وصف عصره بوجود غلاءٍ فاحش .
فلو نظرنا للرواية الواحدة دون مقارنة بباقي الروايات لأصدرنا حكمًا ناقصًا على المعتضد ، بل لابد من الجمع بين الروايات وذكر الجوانب السلبية والإيجابية.
المطلب الثالث: الحالة العلمية في عصر أبي إسحاق الزجاج
الحياة العلمية والفكرية في هذه الفترة كانت في قمة الازدهار ، بل لا أعدو الصواب إن قلت إنها الفترة الذهبية في الخلافة العباسية كلها ، فقد كانت أزهى عصور التأليف والنهضة العلمية حيث بلغت فيها الثقافة الإسلامية ذروتها وآتت ثمارها في كل أنواع العلوم ، فمع كون الأوضاع السياسية كما مر بنا غير مستقرة، بسبب ضعف مركز الخلافة، إلا أن النشاط العلمي كان مزدهرًا ، ولقد خرّجت هذه الفترة كثيرًا من الأئمة والمتعلمين في سائر فروع العلم كالتفسير ، والحديث ، والفقه ، والقراءات ، والعربية وغير ذلك.
ويمكن أن أرجع أسباب ازدهار العلوم في العصر العباسي إلى أمور ، أذكر منها:
أولًا: حب الخلفاء للعلم ، فقد كان أكثرهم عالمًا يقرأ ، بل وروي عن بعضهم الكتابة والتأليف ، لولا انشغاله بأمور الحكم والتدبير ، وقد كان بعضهم يعقد في قصره مجالس العلم والمناظرات ، وقد أثيرت في مجالس بعض الخلفاء الكثير من القضايا والمسائل، كقضية العشق في مجلس المنتصر (ت248هـ) [3] ، وأنواع اللهو والملاهي في مجلس المعتمد (ت279هـ) [4] .
(1) ... مروج الذهب 4/232 .
(2) ... نفس المصدر 4/238.
(3) ... مروج الذهب 4/139 .
(4) ... المصدر نفسه 4/220 .