والدليل على هذا أنه لا ينتقد الأحاديث التي يستدل بها في بيان معنى الآية وإنما انتقد الأحاديث التي لها علاقة بضبط اللفظ القرآني ومن ذلك انتقاده لرواة حديث:"نعما بالمال الصالح للرجل الصالح" [1] ، حيث قال بعد هذا:"ولا أحسب أصحاب الحديث ضبطوا هذا" [2] ، يعني سكون العين مع تشديد الميم حيث إنه جمع بين الساكنين.
خامسًا: استدراكاته ومناقشاته لأهل اللغة:
أكثر أبو إسحاق الزجاج من النقل عن اللغويين بمختلف تخصصاتهم وانتمائاتهم ، وقد تأثر بهم كثيرًا وارتضى آراءهم لا سيما أنه إمام من أئمة اللغة .
وقد نقل الزجاج عن أهل اللغة في جوانب كثيرة ومختلفة مما يدل على ثقته الكبيرة بهم ، إلاَّ أنه لا يكتفي بمجرد هذه الثقة بل له شخصية مستقلة تجاه اللغويين فهو ينقل ويختار ويناقش ويستقصي ويتتبع وينظر في الأدلة.
وسأتناول استدراكاته ومناقشاته لأهل اللغة من خلال الآتي:
1 -استدراكه على الخليل (ت175هـ) وسيبويه (180هـ) :
اعتمد أبو إسحاق في معانيه على الخليل وسيبويه ، ويلاحظ أنه كان معظمًا لهما ومعتبرًا آراءهما فوق كل رأي ، فلهما مكانة عالية رفيعة عند الزجاج في كتابه ، وهذا ما دعاني إلى إفرادهما عن غيرهما من أئمة النحو واللغة ، ناهيك عن مكانتهما كإمامين كبيرين يعتبران مرجعًا متفقًا عليه عند أهل العلم عامة ، ولذا فإن أبا إسحاق يصفهما بأنهما من أهل العلم الثقات برواياتهم ونقولهم إذ كثيرًا ما أراه يعبر بقوله:"والخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعلمه يقولون ..." [3] .
(1) ... الحديث بهذا اللفظ:"نعما"في مسند أحمد 4/202 ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (22188) ، والحاكم في المستدرك (2130) ، وقال: صحيح على شرط مسلم ، ورواه ابن حبان في صحيحه
(2) ... معاني القرآن وإعرابه 1/354 .
(3) ... انظر مثلًا في معاني القرآن وإعرابه 1/71 ، 201 ، وغير ذلك كثير.