إسقاط المفاهيم الاستشراقية
على تاريخ القرآن الكريم
لم يُكتب للتوراة ولا الإنجيل أن يلقيا الحرص والاهتمام المبكّرَين من أجل حفظ نصوصهما، فعلى حدّ الروايات اليهودية [1] قد حفظ موسى عليه السلام نسخة التوراة في تابوت وعهد إلى أبناء هارون عليه السلام بحفظها وتعليمها بني إسرائيل، فتساهل الأحبار من آل هارون في مسألة الرجوع إلى الأصول التوراتية المحفوظة في التابوت في فتاواهم الشرعية؛ ممّا عرّض أحكامها للضياع والتبديل، وبعد وفاة موسى عليه السلام بجيلَين أو ثلاث؛ نَهب الفلسطينيون الإسرائيليين واستولوا على تابوت التوراة [2] ، ومن ذلك الوقت لم تظهر التوراة حتى عودة أجزاء منها على يد الملك طالوت الذي أرسله الله لمقاتلة الفلسطينيين الوثنيين عام 1020 ق. م [3] .
وأما الإنجيل فإنّ النصارى يزعمون أنّه لم يكن سوى تعاليم ووصايا ألقاها المسيح عليه السلام شفويًا على حواريّيه , ولم يكن على نحو كتاب تشريعي، ويضيفون بأن الأناجيل الموجودة اليوم ما هي إلاّ من تأليفات الحواريين بعد وفاة
(1) وعلى الرغم من أنّ هذه روايات يهودية، إلاّ أنّ لها شواهد من القرآن الكريم، إذ قال تعالى عن التابوت:
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248] ، وفي الآية نفسها ذكر لآل هارون وبيان لصلتهم بالتابوت الذي يحتوي على بقية من التوراة. وانظر كذلك لمكانة آل هارون: ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت: مكتبة المعارف، ط 2: 1974، 1/ 321.
(2) عبد الوهاب طويلة، الكتب المقدسة (مرجع سابق) ، ص 62 - 66.
(3) المرجع السابق، ص 66. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 2/ 249 - 250.