".. فإن ألغاز المسائل برمزها من السائل مما تثير النفوس، وتحرك البواعث وتنشط الهمم على استحضار أحكام الحوادث" [1] .
كما يجب أن نعلم بأن صوغ الألغاز تتطلب ذكاء وقادا، وبديهة صافية وقلما فصيحا ومعرفة دقيقة، وفي ميدان الفقه يضاف إلى ذلك ضرورة استيعاب مسائله، وخاصة ما كان نادرا منها [2] .
فالألغاز الفقهية تدفع صاحبها إلى التعمق في الفقه، وإلى استيعاب جميع مسائله؛ للقدرة على صوغها وصناعتها، وإلى حلها والرد على مسائلها ..
ومن أهمية الألغاز: أنها تنويع لأساليب بحث الفروع الفقهية، كما أنها تفتح مجال المناظرة والمحاضرة
وتشكل تحديا مباشرا - أو غير مباشر - للناظر فيها، والشروع في حلها يعد استجابة حيوية لهذا التحدي، وهي اختبار لمدى تركيز المعلومات في العقول، وحسن توظيفها، ولدعم العويص منها في الأذهان.
-ولقد أدرك الأقدمون - منذ وقت مبكر - الوظيفة التربوية والتعليمية للألغاز، ومدى ما تحظى به من شعبية بين الجماهير، فاستعاروها قالبا وإطارا تربويا وتعليميا جذابا للكثير من علومهم: كاللغة، والنحو، والفقه، وغيرها.
-إن القيمة الحقيقية للألغاز - والتي تعد من أقدم وأعرق الأشكال الأدبية التقليدية التي عرفها الإنسان - تكمن - في رأي بعض الباحثين - في كونها من أقدم المحاولات التي توسلت بها المجتمعات القديمة والثقافات البدائية للحصول
(1) حلية الطراز في مسائل الألغاز ص12.
(2) مقدمة كتاب"درة الغواص في محاضرة الخواص": ص47.