الصفحة 5 من 52

تركهم و عدم مناظرتهم كما فعل معهم السلف، تركوهم يموتون من الغيظ، و لم يجدوا سبيلا إلى إظهار بدعتهم [1] .

و قوله هذا صحيح إلى حد ما، فقد كانت للمناظرات التي دارت بين أهل الحديث و المتكلمين آثار سلبية كالتي أشار إليها اللالكائي؛ لكنني لا أوافقه في كل ما قاله، لأن أهل السنة اضطروا للرد على المتكلمين اضطرارا، وذلك أن أهل الكلام هم الذين بدؤوا بنشر مقالاتهم بين الناس، و استمروا على ذلك زمنا طويلا، و لم يوقفهم ذم السلف، و لا هجرهم لهم؛ ثم أنهم -أي المتكلمون- استعانوا بالدولة العباسية لنشر مقالاتهم و حمل الناس عليها، و ذلك أيام الخليفة المأمون و المعتصم و الواثق، من سنة 118 إلى 232 هجرية، الذين فرضوا على الناس القول بخلق القرآن. فما هو الحل أمام هذا التيار الجارف الذي لا ينفع معه السكوت؟، فهل يتركونهم ينشرون مقالاتهم بين الناس و يبلبلون أفكارهم و يزلزلون عقائدهم؟.

و قوله إن السلف لم يجادلوا أهل البدع و تركوهم يموتون من الغيظ، إتباعا لقوله تعالى: (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة ) )، هو قول غير صحيح على إطلاقه، لأنه لم يذكر لنا من هؤلاء السلف، و نحن نعلم أن كثيرا من أئمة أهل السنة قد جادلوا و ناظروا الفرق الكلامية على اختلاف طوائفهم [2] .و استدلاله بالآية كان ناقصا، و تمامها قوله تعالى: (( و جادلهم بالتي هي أحسن ) )، فالآية فيها دعوة لاستخدام الحكمة في الدعوة، و من الحكمة استخدام الجدال في المكان المناسب، و هي أثبتت صراحة وجود جدال حسن حثّت عليه، و هذا ينقض ما ذهب إليه اللالكائي، و هو نفسه عندما أثار المتكلمون مسألة الاسم و المسمى و حدث حولها خلاف بين أهل السنة، مال إلى القول الذي جعل الاسم هو المسمى، مخالفا بذلك أكثر أهل السنة القائلين بأن الاسم للمسمى [3] .

و أما علماء أهل الحديث الذين أجازوا مناظرة المتكلمين، و كانت لهم مشاركات في الرد عليهم، فمنهم أعلام كبار، كمحمد بن إدريس الشافعي (ت204ه) ،و القاسم بن سلام البغدادي (ت 224ه) ،و عبد العزيز الكناني (ت240ه) ،و أبي ثور إبراهيم البغدادي (ت 240ه) ،و أحمد بن حنبل (ت241ه) ، و الحسين الكرابيسي البغدادي (ت 248ه) ،و أبي محمد بن قتيبة (ت 276ه)

(1) نفس المصدر، ص: 19.

(2) سيأتي ذكر ذلك و توثيقه لاحقا.

(3) جمال بادي: الآثار الواردة، ص: ج1 ص: 238 - 239.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت