يعلم السر و أخفى، و على عرشه استوى، و علمه بكل مكان و لا يخلو من علمه مكان )) [1] . فهو هنا قد خاض في الرد على مخالفيه، فقرر مذهب أهل السنة و رد على بعض أفكار المعتزلة و الجهمية.
و أوافقه في حثّه على التسليم و السكوت، و التحذير من الجدال و المِراء، لما قد يحدث عن ذلك من شكوك و خصومات و زندقة؛ لكنني لا أوافقه على ذمه للجدال مطلقا، اللهم إلا إذا قصد جدال أهل الأهواء المخالف للشرع و العقل، فهذا صحيح؛ لأن الجدال قد يكون طريقا إلى الحق و إقامة الحجة على الخلق. كما أن احتجاجه بقوله تعالى: (( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ) )-سورة غافر/4 - لا يشمل كل جدال و مناظرة و مناقشة، لأن الآية تخص الذين يُجادلون في آيات الله إنكارا و عنادا، و لا تشمل الذين يجادلون لمعرفة الحق؛ و في القرآن الكريم آيات كثيرة نصت على الجدال الحسن في الدعوة و الإقناع، كقوله تعالى: (( و جادلهم بالتي هي أحسن ) )- سورة النحل / 125 - ، و (( و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) )- سورة العنكبوت/46 - ، و (( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ) )-هود/32 - .
كما أنه- أي أبو محمد البربهاري- في نهيه عن التعمّق لم يحدد التعمق الذي يقصده، فكلامه هذا فيه التباس، فإذا قصد التعمق في المسائل الغيبية فكلامه صحيح، لأن الخوض في ذلك هو خطأ كبير، و فيه ضرر جسيم، و زج للعقل فيما لا يُدركه. و أما التعمق في العلوم النافعة التي يدركها العقل و التي تتطلب التعمق و التخصص، كالفقه و الطب و الرياضات و الفيزياء، فهو تعمق مطلوب و ضروري، و هو أساس التطور العلمي و التقني و الحضاري على وجه الأرض.
و هو أيضا -أي البربهاري لم يُوفق عندما قال: إنه لم يبلغنا أن أحدا من السلف ناظر و جادل، فها هو القرآن الكريم مليء بجدال الأنبياء لأقوامهم، و معروف عن كثير من السلف أنهم جادلوا أهل الأهواء، فعلي بن أبي طالب و ابن عباس- رضي الله عنهما- جادلا الخوارج، و الإمام أحمد بن حنبل جادل المعتزلة في محنة خلق القرآن، و أبو سعيد عثمان الدارمي جادل الجهمية. [2]
و ذكر الحافظ أبو الحسن اللاكائي (ت418ه) أن المتكلمين اتخذوا الجدال منهاجا لنصرة مذهبهم، مخالفين بذلك منهاج السلف الصالح القائم على الكتاب و السنة، لا على الجدال و الخصومة، إتباعا لقوله تعالى: (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة ) )-سورة النحل/125 - [3] . ثم ذكر أن جدال المسلمين للمتكلمين و مناظرتهم لهم جنى عليهم -أي على المسلمين - جناية عظيمة، أدى إلى الشجار و إظهار بدع هؤلاء و إيصالها إلى العامة و الخاصة، و بالغ الجميع في التدقيق و صار الطرفان أقرانا و إخوانا. و هو يعتقد أن أعظم قهر و ذل للمبتدعة، هو
(1) نفسه، ص: 71.
(2) سترد أقوال كثيرة-فيما بعد - عن مجادلة السلف لأهل الأهواء.
(3) اللالكائي: المصدر السابق، ج 1ص: 17.