الصفحة 21 من 52

و أما أسباب انحرافهم المنهجي في نظر أهل الحديث، فهي عند عبد العزيز بن الماجشون (ت 164ه) تتمثل في أنهم لم يحترموا عقولهم القاصرة، و أقحموها فيما لا تقدر على خوضه، و ذلك لأن العقل مجاله النظر و التفكير في المخلوقات، و لا يُقال: كيف؟ إلا للحوادث، و لا يُقال ذلك في حق الله عزّ و جل، فكان عليهم أن ينتهوا حيث انتهى الدين و لا يُجاوزوه [1] .و أرجع ابن خزيمة انحراف الجهمية، إلى جهلهم بالشرع و اللغة العربية، و عدم احتكامهم إلى العقول، و ذلك أنهم وجدوا أن الله تعالى وصف بعض خلقه بأسماء وُصف هو بها، كالسمع و البصر و الوجه، فتوهّموا بجهلهم أن الله قد شبّه نفسه بخلقه [2] .

و أرجع أبو محمد البربهاري البغدادي (ت 329ه) سبب انحرافهم إلى أنهم فكّروا في الله تعالى، و أدخلوا: لِم؟،و كيف؟ و تركوا الأثر، و استخدموا القياس و قاسوا به الدين على رأيهم، و احتجوا بالمتشابه و تكلّموا بالمنسوخ [3] . و ردّ أبو القاسم اللالكائي سبب انحرافهم إلى أنهم تركوا الكتاب و السنة، و طعنوا فيهما، و نظروا فيهما بفكر معوج، و أقبلوا على آراء شيوخهم، و فكّروا في الكون بعقل مغلوب و فهم مقلوب [4] .و يرى الباحث المعاصر وحيد الدين خان أن متكلمي العصر العباسي انحرفوا منهجيا عندما أقاموا علمهم على القياس الكلامي و الفلسفي المتغيّر، و لم يُقيموه على ثوابت القرآن و الكون غير المتغيّرة [5] .

فهؤلاء كلهم اتفقوا على أن المتكلمين قد انحرفوا منهجيا في تأسيس علمهم، عندما تركوا الوحي من وراء ظهورهم، و استخدموا عقولهم بطريقة مقلوبة معوجة؛ و بمعنى آخر أنهم لم يُقيموه على النقل الصحيح و العقل الفطري الصريح و العلم الطبيعي الصحيح، و إنما أقاموه على الظنون و الأهواء، و التخمينات و القياسات المجردة، فكثرت أخطاؤهم و قل صوابهم، و ذلك أن الانحراف في المنهج يُؤدي إلى كثرة الخطأ و قلة الصواب، و الاستقامة في المنهج تُؤدي إلى كثرة الصواب و قلة الخطأ، لذا فإن انتقادات أهل الحديث لمنهج المتكلمين كانت صائبة، أظهرت انحرافه في أسسه و تطبيقاته.

الأساس الخامس: الاحتكام إلى المنطق القائم على العقل و الإيمان:

احتكم كثير من أصحاب الحديث إلى ما يُوجبه المنطق القائم على العقل و الإيمان، في ردودهم على المتكلمين من الجهمية و المعتزلة و غيرهم، و لم يجدوا في ذلك حرجا، و قد ذكر أبو بكر بن خُزيمة أن من أسباب انحراف الجهمية و ضلالهم أنهم لم يحتكموا إلى العقول [6] . و قد كانت لهم-أي المحدثون-

(1) جمال بادي: الآثار الواردة، ج 1 ص: 202 - 203. و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 5 ص: 30،31.

(2) كتاب التوحيد، ص: 58 - 59.

(3) شرح السنة، ص: 101.

(4) شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ج 1 ص: 9، 10، 11.

(5) الإسلام و العصر الحديث، ترجمة ظفر الإسلام خان، ط3 بيروت، دار النفائس، 1406، ص: 77.

(6) كتاب التوحيد، ص: 58 - 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت